استهداف الأبراج السكنية في غزة: عقيدة عسكرية إسرائيلية متواصلة

لم يعد استهداف الأبراج السكنية الشاهقة في قطاع غزة مجرد حادث عابر مرتبط بسياق الحرب الجارية، بل بات يمثل نهجاً متجذراً ضمن العقيدة العسكرية الإسرائيلية. هذه السياسة تقوم على توظيف العمران المدني كأداة ضغط عسكري وسياسي مباشر على المقاومة الفلسطينية، وذلك عبر إيذاء السكان المدنيين وتشريدهم من منازلهم.
تاريخياً، تتجلى هذه الاستراتيجية بوضوح منذ قصف برج الظافر عام 2014، مروراً بتدمير ثلاثة أبراج رئيسية في أقل من 24 ساعة خلال عدوان مايو 2021، وصولاً إلى استهداف برج مُشتهى مؤخراً. إنها دورة متكررة من العقاب الجماعي والضغط على المقاومة، بهدف تحويل البنية المدنية إلى أنقاض وفرض واقع جديد على الأرض بالقوة.
وبحسب تقارير صحفية إسرائيلية، فإن هذه السياسة لا تندرج ضمن عمليات عسكرية منفصلة، بل هي جزء من خطة أوسع نطاقاً تهدف إلى إعادة السيطرة على مدينة غزة. وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، صراحة عن هذه النوايا، مشيراً إلى إصداره «أول بلاغ لإخلاء مبنى متعدد الطوابق في غزة (برج مُشتهى) قبل استهدافه».
وأردف كاتس مهدداً: «عندما يُفتح هذا الباب فلن يُغلق، وستتزايد عملياتنا تدريجياً حتى تقبل حركة حماس بشروطنا لإنهاء الحرب». هذه التصريحات تؤكد أن القصف يأتي في إطار سعي إسرائيلي لتوسيع نفوذها وسيطرتها على غزة، مع تكثيف الضربات الجوية والبرية رغم التنديدات الدولية المتصاعدة.
النزوح الجماعي والواقع الإنساني المرير
تتوالى الأوامر بإخلاء العائلات من المناطق الشمالية في قطاع غزة، وتوجيههم قسراً نحو مناطق يُفترض أنها «آمنة» جنوب القطاع، مثل خان يونس والمواسي. لكن الواقع المرير يكشف عن أكواخ مكتظة تعاني من الفقر المدقع وشح كارثي في كافة الخدمات الأساسية.
الشهادات الميدانية من السكان النازحين تُجمع على أنهم «لا يجدون مكاناً آمناً للذهاب إليه» بعد موجات النزوح المتكررة. بل أن المناطق التي صُنفت يوماً كـ «آمنة»، تعرضت هي الأخرى للقصف والتدمير، مما يفاقم من محنة مئات الآلاف.
مشاهد مؤلمة في الشوارع وتحت الأنقاض
لا تزال الجثث ملقاة في الشوارع، ومكدسة تحت ركام الأنقاض في مشهد مروع، وسط انهيار كامل لمنظومة الإسعاف والإنقاذ. هذه الصورة المأساوية تثير صدمة عميقة بين السكان الذين يواجهون دماراً هائلاً.
فمناطق مثل الرّمال والريمـال تحولت إلى ساحات دمار شامل، وباتت أشبه بساحات «حرب إبادة» بحسب وصف أحد سكانها، حيث يصعب على المرء تخيل حجم الكارثة الإنسانية التي حلت بها.
أرقام مفجعة وأزمة إنسانية متفاقمة
ارتفعت حصيلة الضحايا في غزة لتتجاوز 64 ألف شهيد فلسطيني، تُشكل النساء والأطفال نسبة كبيرة منهم، فيما وصل عدد الجرحى إلى أكثر من 162 ألف شخص. هذه الأرقام المفجعة تعكس حجم الكارثة التي يعيشها القطاع.
لقد بات الشتات والفقر الغذائي واقعاً يومياً لا مفر منه، بينما حذرت الأمم المتحدة مراراً من خطر وشيك لـ المجاعة، وسط نقص حاد وغير مسبوق في المياه الصالحة للشرب، والطعام، وخدمات الرعاية الصحية الأساسية، مما يهدد حياة الملايين. (تعرف على آخر تحديثات أزمة غزة الإنسانية من تقارير الأمم المتحدة).









