ألوان الفلكلور السكندري ترسم بهجة الطفولة في قصر الأنفوشي
على إيقاع حكايات البحر والتراث، أطفال الإسكندرية ينسجون من الرقص ذاكرة حية للمدينة.

تتراقص أضواء المسرح على وجوه صغيرة. تلمع عيونهم ببريق الحماس. هنا، في قلب قصر ثقافة الأنفوشي العريق، لا يُحتفل بمناسبة عابرة، بل تُنسج خيوط الذاكرة من جديد على أيدي جيل لم يعاصرها، في احتفالية خاصة بعيد الطفولة تنظمها الهيئة العامة لقصور الثقافة.
اليوم، تتحول خشبة المسرح إلى ساحة تضج بالحياة. إنها ليلة فرقة أطفال وطلائع الأنفوشي للفنون الشعبية، التي يقف خلف كواليس إبداعها المدرب مصطفى عبده، حارساً أميناً على إيقاعات التراث.
### حين يروي الصغار حكايات البحر
يبدأ العرض. ترتفع الموسيقى فتتحرك الأجساد الغضة بخفة ورشاقة. كل رقصة هي فصل من رواية الإسكندرية الخالدة. في لوحة “الصيادين”، تشعر بملوحة البحر ورائحة الشباك، وتسمع صدى أغنياتهم التي تتحدى أمواج المتوسط. ثم تأتي رقصة “بنات إسكندرية”، فتتحول الفتيات الصغيرات إلى فراشات ملونة، يجسدن في خطواتهن خفة الروح وبهجة المدينة الساحلية. إنها ليست مجرد حركات متقنة، بل هي روح الفلكلور السكندري تتجسد في أبهى صورها، من “أيووه اسكندراني” إلى “فرح إسكندراني”، حيث تتحول طقوس الحياة اليومية إلى فن بصري مدهش.

هؤلاء الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة، لا يقدمون عرضًا فنيًا فحسب، بل يحملون على عاتقهم الصغير مهمة عظيمة: نقل تراث شفوي وبصري يكاد يضيع في زحمة الحداثة. في كل خطوة، يبعثون الحياة في حكايات الأجداد.
### ذاكرة تتوارثها الأجيال
تأسست فرقة أطفال وطلائع الأنفوشي للفنون الشعبية بهدف يتجاوز مجرد تقديم العروض. إنها مشروع ثقافي حي يهدف إلى تعريف الأجيال الجديدة بجذورها، وتنمية مواهبهم الفنية وصقلها بروح الهوية المصرية. من خلال مشاركاتها المتعددة في المهرجانات الثقافية داخل الإسكندرية وخارجها، أصبحت الفرقة سفيرًا صغيرًا للفلكلور المصري، تثبت أن التراث ليس قطعة متحفية، بل هو كائن حي يتنفس ويتجدد مع كل جيل.
هذا الجهد الفني هو جزء من رؤية أوسع تتبناها الهيئة العامة لقصور الثقافة، والتي تسعى للحفاظ على الموروثات الشعبية كعنصر أساسي في بناء الوعي الثقافي الوطني. في كل حركة يدربها مصطفى عبده لهؤلاء الصغار، يغرس بذرة هوية.
وهكذا، على خشبة مسرح الأنفوشي، لا يُحتفل بالطفولة فحسب، بل يُحتفل باستمرارية الروح المصرية، متجددة، ونابضة بالحياة.









