اقتصاد

أزمة فرنسا السياسية: كيف تحول رجل الفرصة الأخيرة إلى ورقة محروقة؟

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

كان يُفترض أن يكون سيباستيان ليكورنو هو طوق النجاة، ورقة “الفرصة الأخيرة” التي يلعبها الرئيس إيمانويل ماكرون لإنقاذ ما تبقى من ولايته حتى 2027. لكن الرهان الخاسر سرعان ما تحول إلى مثال صارخ على استراتيجية سياسية فاشلة، تُدخل فرنسا في نفق مظلم جديد.

وبغض النظر عما ستسفر عنه الأيام المقبلة بعد استقالته المدويّة من رئاسة الوزراء، تبدو الانتخابات البرلمانية المبكرة هي المخرج الوحيد من أزمة سياسية خانقة، لا تهدد استقرار فرنسا وحدها، بل تلقي بظلالها الكثيفة على الساحة الأوروبية بأكملها.

بدا المشهد السياسي هشًا للغاية حينما دفع ماكرون بـ”ليكورنو” كرئيس وزرائه الخامس في عامين فقط. في غياب ميزانية معتمدة وأغلبية برلمانية داعمة، علّق ليكورنو آماله على تقديم تنازلات لإرضاء اليسار، كوعده بزيادة الضرائب على الأثرياء والحد من اللجوء للمراسيم الرئاسية المثيرة للجدل.

كانت هذه محاولة يائسة لكسب الدعم في مهمة شاقة، وهي كبح جماح عجز الموازنة الذي يلتهم الاقتصاد الفرنسي، لكنها لم تكن كافية في بلد تحكمه حسابات انتخابات 2027 المتعطشة للسلطة.

لم يكد ليكورنو يكشف عن تشكيلته الوزارية الكاملة، حتى أُسدل الستار على مسرحيته السياسية. فقراره بالاعتماد على وجوه ماكرون القديمة مثل برونو لومير كان بمثابة خطأ فادح، أشعل غضبًا واسعًا دفع حتى حلفاءه المحتملين من يمين الوسط إلى التلويح بالرحيل. في هذه اللحظة، أدرك ليكورنو أن تقديم الاستقالة أفضل من انتظار الإقالة.

هل فرنسا على أعتاب انتخابات مبكرة ثانية؟

رسميًا، ما زال إيمانويل ماكرون هو سيد الموقف في قصر الإليزيه، ومن غير المرجح أن يستقيل. لكن السؤال الأهم: من يستمع إليه الآن؟ أي محاولة جديدة لسحب “أرنب من القبعة” وتشكيل حكومة أخرى ستكون استفزازًا جديدًا من رئيس وصلت شعبيته إلى الحضيض.

لذلك، تبدو النتيجة الأكثر واقعية هي الذهاب إلى انتخابات مبكرة للمرة الثانية في عامين، بكل ما تحمله من غموض في بلد منقسم على نفسه، لم يعد فيه الشباب والطبقة العاملة يجدون أنفسهم في خطاب الوسط السياسي التقليدي.

الخطر الأكبر والأكثر وضوحًا هو أن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، بزعامة مارين لوبان، قد يحقق نتيجة أفضل بكثير هذه المرة. فالشارع الفرنسي يتغير، وأصبح العديد من الناخبين يفضلون اليمين المتطرف على أقصى اليسار. حتى أن جوردان بارديلا، نجم الحزب الصاعد، يتصدر استطلاعات الرأي الرئاسية بنحو 30%، وهي نسبة قد لا تمنحه أغلبية برلمانية، لكنها تجعل البحث عن بدائل أخرى شبه مستحيل.

فرنسا ليست اليونان.. لكنها قلب أوروبا

حتى الآن، تظل الأزمة سياسية في جوهرها، رغم بعض التوترات التي شهدتها الأسواق. الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لم يصل بعد إلى مستوياته المقلقة السابقة، كما أن مؤشر “كاك 40” للأسهم لم يخسر سوى نسبة طفيفة. ففرنسا، بثقلها الاقتصادي، ليست على حافة الانهيار، لكنها بالتأكيد تهتز في قلب القارة العجوز.

جواهر وسط الركام السياسي

وسط هذا الركام السياسي، لا تزال فرنسا تمتلك جواهر حقيقية: عقول هندسية فذة، شركات ناشئة رائدة في الذكاء الاصطناعي، وشبكة طاقة نووية قوية. لكن مع كل عثرة في الطريق إلى انتخابات 2027، يتحول وضع ماكرون من “بطة عرجاء” إلى هدف سهل يصعب حمايته.

تتهاوى الآن أعمدة أجندته الإصلاحية التي جذبت رجال الأعمال، من ضرائب مواتية وسياسات داعمة للتوظيف. وفي الأفق، لا يظهر أي وريث واضح لتياره السياسي، ويبدو أن الجميع قد فشل في إيجاد الوصفة السحرية لكبح جماح اليمين المتطرف المتصاعد.

إن انغلاق فرنسا على نفسها سيكون له عواقب وخيمة، ليس فقط عليها، بل على أوروبا التي تواجه تحديات اقتصادية وجيوسياسية هائلة، ناهيك عن خطر تخفيض التصنيف الائتماني لديونها. لقد كانت الأزمة الحالية بمثابة موسيقى النهاية لعهد ماكرون، واليوم، يبدو أن الجميع يسمعها بوضوح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *