سجلت البنوك السعودية أرباحاً فصلية هي الأعلى في تاريخها الحديث، حيث بلغت حصيلتها المجمعة نحو 23.6 مليار ريال (ما يعادل 6.4 مليار دولار) خلال الربع الثالث من عام 2025. ورغم أن هذا الرقم يمثل قفزة تاريخية لم يشهدها القطاع منذ عام 2003، إلا أن مؤشرات النمو بدأت تظهر تباطؤاً ملحوظاً يثير تساؤلات حول استدامة هذا الأداء الاستثنائي.
وفقاً لتحليل يستند إلى بيانات “تداول” و”بلومبرغ”، نما إجمالي أرباح القطاع المصرفي السعودي بنسبة 15% على أساس سنوي، متجاوزاً متوسط توقعات المحللين الذي استقر عند 22 مليار ريال. لكن هذه النسبة تخفي وراءها تراجعاً في وتيرة النمو مقارنة بالفصول السابقة، حيث سجلت 18% في الربع الثاني، و19% في الربع الأول، و21% في الربع الأخير من العام الماضي، مما يعكس ضغوطاً متزايدة على القطاع.
سر الأرباح القياسية
يكمن المحرك الرئيسي لهذه الأرباح القياسية في قدرة المصارف على الاحتفاظ بهوامش ربح مرتفعة على التمويلات الممنوحة، حتى مع انخفاض مؤشر سعر الفائدة بين البنوك السعودية (السايبور). هذا الوضع، الذي يبدو متناقضاً، يجد تفسيره في حالة شح السيولة التي يعاني منها السوق المالي، والتي تدفع المقترضين، من أفراد وشركات، إلى القبول بتكاليف تمويل أعلى لتلبية احتياجاتهم الائتمانية.
هذا الواقع يعزز ربحية البنوك بشكل مباشر، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام تحدي إدارة المخاطر، فاستمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض قد يؤدي إلى زيادة احتمالات التعثر، وهو ما قد يجبر المصارف على تسجيل مخصصات إضافية في المستقبل. ومع ذلك، تبقى النظرة المستقبلية متفائلة، مدعومة بالزخم القوي للأنشطة غير النفطية التي تشكل عصب رؤية السعودية 2030، والتي يتوقع أن تصل مساهمتها إلى 57% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2025.
فجوة القروض والودائع
تتجلى أزمة السيولة بوضوح في الفجوة المتسعة بين نمو محافظ القروض ونمو الودائع. فقد أظهرت البيانات أن إجمالي محفظة نمو القروض للبنوك السعودية قفز بنسبة 14% على أساس سنوي، وهو ما يعادل ضعف نسبة نمو الودائع التي لم تتجاوز 7% خلال الفترة نفسها. هذا التفاوت يعكس طلباً قوياً ومستمراً على الائتمان لمواكبة المشاريع التنموية الضخمة، مقابل شح في مصادر التمويل التقليدية.
وفي سياق المنافسة المحتدمة، تمكن مصرف الراجحي من التفوق على البنك الأهلي السعودي، أكبر بنوك المملكة من حيث الأصول، في حجم محفظتي القروض والودائع بنهاية الربع الثالث. حيث بلغت ودائع “الأهلي” 639.5 مليار ريال مقابل 670.2 مليار للراجحي، وسجلت محفظة قروضه 725.1 مليار ريال مقابل 756 ملياراً للراجحي، مما يعكس ديناميكية جديدة في خريطة القطاع.
تحول استراتيجي نحو أسواق الدين
لمواجهة هذه الفجوة التمويلية، تشهد البنوك السعودية تحولاً هيكلياً في استراتيجياتها التمويلية. فبعد أن كانت تعتمد تاريخياً على ودائع التجزئة منخفضة التكلفة، تتجه الآن بشكل متزايد نحو أسواق الدين لإصدار الصكوك والسندات. هذا التحول لم يعد خياراً، بل ضرورة لتنويع مصادر التمويل وتوفير سيولة طويلة الأجل قادرة على مواكبة متطلبات المشاريع العملاقة.
وتؤكد الأرقام هذا التوجه، فمنذ بداية العام وحتى منتصف سبتمبر، أصدرت البنوك السعودية أدوات دين متنوعة بين محلية ودولارية بقيمة تقارب 15.39 مليار دولار. هذا الاعتماد المتزايد على أدوات الدين والاقتراض الخارجي يمثل الحل العملي لسد الفجوة الحالية، ويضمن استمرار تدفق التمويل اللازم لدعم النمو الاقتصادي الذي تشهده المملكة.
