اقتصاد

مرارة الشوكولاتة: أسعار الكاكاو تهوي.. و’النكهة’ والعبوات الأصغر تسيطر على الأسواق

العبوات المتقلصة و'نكهة الشوكولاتة': لغز الأسعار المرتفعة رغم انهيار تكاليف المواد الخام.

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

أسعار الكاكاو تتهاوى لأدنى مستوى في ثلاث سنوات، والسكر يهبط بنسبة 20%. لكن ألواح “نكهة الشوكولاتة” والعبوات الأصغر ما زالت المشهد السائد في المتاجر. تناقض حاد يطرح سؤالاً مباشراً: متى يشعر المستهلك بانعكاس هذا الانخفاض على أسعار ما يشتريه؟

ليس تقليص الحجم وحده هو العنوان. فمنذ العام الماضي، ومع اقتراب أسعار الكاكاو من مستويات قياسية، بدأ المستهلكون يلحظون ظهور عبارة “نكهة الشوكولاتة” على الألواح. انخفض محتوى الكاكاو إلى درجة لم يعد بإمكان الشركات وصف منتجاتها بأنها شوكولاتة حقيقية.

في بريطانيا، يتطلب وصف المنتج بـ”شوكولاتة الحليب” احتواءه على 20% كاكاو صلب و20% حليب صلب كحد أدنى. هذا المعيار دفع “توفي كريسب” و”بلو ريباند” لتصبحا “بنكهة الشوكولاتة” في ديسمبر. سبقهما “مكفيتيز بينجوين” و”كلوب” في أكتوبر، بينما تحولت “كيت كات وايت” و”مكفيتيز وايت دايجستيفز” لنفس التصنيف قبل 2025.

في العام الماضي، لاحظ المتسوقون بدقة تراجع وزن العديد من المنتجات. مجموعة “سيليبريشنز” خسرت 150 جراماً بين عامي 2021 و2025، بالتزامن مع ارتفاع سعرها. كذلك “كادبوري ديري ميلك” فقدت 20 جراماً خلال أربع سنوات، و”توبليرون” تخلصت من 20 جراماً في سبتمبر الماضي. حتى “تيري شوكولاتة أورانج” فقدت 12 جراماً بين 2021 و2025 مع زيادة السعر. عبوات “كواليتي ستريت” انكمشت من 600 جرام إلى 550 جراماً عشية عيد الميلاد. لم تسلم العبوات المتعددة: عبوة “فريدو” أصبحت أربع قطع بدلاً من خمس، ومثلها عبوات “كادبوري فادج”. حتى ألواح “كيت كات” ذات الإصبعين تقلصت من 21 إلى 18 قطعة.

بعد كل هذا، هل من تغيير قادم؟ لا شيء يلوح في الأفق. الشركات التي تجاوبت مع الاستفسارات أكدت أنها لا تخطط لتغيير وصفات منتجاتها أو أوزانها.

شركة نستله، صانعة “توفي كريسب” و”بلو ريباند” و”كواليتي ستريت” و”كيت كات”، صرحت: “لا توجد حالياً خطط لإجراء المزيد من التغييرات في الوصفات أو الأوزان لمنتجاتنا. اتخذنا كافة الخطوات الممكنة لتقليل تأثير ارتفاع أسعار الكاكاو والحفاظ على أسعار معقولة. أسعار الكاكاو الأخيرة مشجعة، لكن السوق لا يزال متقلباً. نراقب التطورات عن كثب.”

أما “بلاديس”، منتجة “بينجوين” و”كلوب”، فأكدت عدم وجود تغييرات مرتقبة. “تيريز” و”مارس” (مالكة “سيليبريشنز”) و”موندليز” (مالكة “كادبوري”) لم تستجب لاستفسارات حول انخفاض أسعار الكاكاو والتغييرات التي أجرتها.

الكاكاو اليوم أرخص بنسبة تتجاوز 60% مما كان عليه قبل عام. وصل سعر الطن إلى حوالي 3150 دولاراً، بعد أن كان 12218 دولاراً في أبريل 2024. التفسير يكمن في وفرة العرض بمناطق الإنتاج الرئيسية في ساحل العاج وغانا. هذه الوفرة تأتي بعد فترة عصيبة ضرب فيها تغير المناخ زراعة الكاكاو، مما دفع الأسعار حينها للارتفاع الجنوني. هذا التقلب الحاد يبرز مدى حساسية أسواق السلع الأساسية للعوامل الجوية والجيوسياسية على حد سواء.

لكن هل يعني هذا تراجعاً وشيكاً في الأسعار للمستهلك؟ عيد الفصح الحالي شهد ارتفاعاً بنسبة 9% عن العام الماضي، بمتوسط سعر للبيضة الواحدة 3.27 جنيه إسترليني. تحليل وحدة استخبارات الطاقة والمناخ (ECIU) كشف أن متوسط أسعار شوكولاتة عيد الفصح ارتفع بمقدار الثلثين خلال ثلاث سنوات، وبعض البيض تضاعف سعره بسبب الظواهر الجوية القاسية.

انخفاض أسعار الكاكاو جاء متأخراً لخفض أسعار شوكولاتة عيد الفصح. أما تراجع الأسعار للمستهلك، قد لا يظهر قبل عيد الميلاد القادم، وربما يقتصر على أنواع معينة. السبب؟ غالبية الموردين مرتبطون بعقود آجلة لا تعكس الأسعار المتدنية حالياً. هذه العقود، التي تبرمها الشركات لتأمين احتياجاتها وتخطيط تكاليفها مسبقاً، تحميها من تقلبات الأسعار المفاجئة لكنها أيضاً تؤخر استفادة المستهلك من الانخفاضات السريعة.

الكاكاو كان متقلباً بشدة، ما دفع المصنعين لتأمين عقود مستقبلية لضمان استقرار التخطيط. “ويتيكرز شوكولاتة” في شمال يوركشاير، لن تشتري الكاكاو لاحتياجات أواخر العام الحالي وعام 2027 إلا بحلول منتصف 2026، حسب جيما ويتيكرز. دومينيك سيمز، من “بلاين تشوك”، يرى أن الشوكولاتة ذات المحتوى العالي من الكاكاو قد تشهد تخفيضاً في الأسعار بحلول عيد الميلاد، شرط استقرار الأسعار الحالية.

الأمر لا يقتصر على الكاكاو. عقود السكر الآجلة في لندن أرخص بنحو 20% عن العام الماضي، بفضل الفوائض في الهند وزيادة الإنتاج المتوقعة في البرازيل. لكن الشركات الكبرى، ذات المحتوى المنخفض من الكاكاو (حوالي 20%)، أقل تأثراً بتقلباته. تكلفتها الأكبر ليست الكاكاو، بل السكر الأبيض ودهون الحليب.

تضاف إلى ذلك تداعيات الصراعات الجيوسياسية. الحرب في الشرق الأوسط، على سبيل المثال، تدفع أسعار النفط والغاز للارتفاع. هذا يعني تكاليف نقل وطاقة وتعبئة أعلى، حسب جيما ويتيكرز. مواد التعبئة والتغليف، كالبلاستيك والأغلفة، إما مستخلصة من النفط مباشرة أو تتطلب طاقة كبيرة لإنتاجها. أي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية يترجم فوراً إلى زيادة في تكاليف التغليف.

في مواجهة الارتفاعات السابقة لأسعار الكاكاو، طوّرت شركات مثل “ويتيكرز” منتجات جديدة أقل اعتماداً على الكاكاو، كالمغطاة بالزنجبيل والمكسرات وبعض أنواع الفوندان.

مقالات ذات صلة