في ذكرى الاستقلال.. لبنان يطرح خريطة طريق للجنوب والجيش جاهز للتسلم
مبادرة لبنانية جديدة.. هل يستعيد الجيش سيطرته على كامل الحدود الجنوبية؟

في توقيت يحمل دلالات رمزية عميقة، ومع احتفال البلاد بذكرى استقلالها الثانية والثمانين، جاءت رسالة الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون لتتجاوز حدود الاحتفال، وتطرح ما يشبه خريطة طريق سياسية وأمنية لمستقبل الجنوب. إنها رسالة تبدو وكأنها محاولة جادة لرسم واقع مختلف في منطقة تشهد توترًا متصاعدًا.
عرض للخماسية
لم تكن مجرد كلمات بروتوكولية، بل عرضًا سياسيًا متكاملًا. أعلن الرئيس عون بوضوح أن الجيش اللبناني على أهبة الاستعداد لتسلم كافة النقاط المحتلة على الحدود الجنوبية، وأن الدولة مستعدة لتقديم جدول زمني فوري وواضح إلى “اللجنة الخماسية” الدولية. يرى مراقبون أن هذه الخطوة تهدف إلى وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، وتحويل النقاش من إدارة الأزمة إلى البحث عن حلول جذرية.
الجيش أولاً
اللافت في خطاب عون، الذي ألقاه من قيادة قطاع جنوب الليطاني، هو التأكيد على أن “لا استقلال حقيقيًا إلا بتحرير الجنوب”، وأن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا “عبر الدولة اللبنانية وحدها وحصرًا”. هذا التصريح يُفسَّر على أنه رسالة مزدوجة: الأولى للخارج بأن الدولة هي الشريك الوحيد الموثوق، والثانية للداخل بأن زمن السلاح خارج الشرعية يجب أن ينتهي، وهو مطلب لطالما كان محور انقسام داخلي حاد.
رسائل للداخل
تطرّق الرئيس اللبناني بذكاء إلى الانقسام الداخلي، مشيرًا إلى وجود “انطباعين” خاطئين؛ الأول يفترض أن شيئًا لم يتغير، والثاني يعتقد أن “جماعة كاملة قد قُضِي عليها”. بحسب محللين، فإن عون يحاول هنا تفكيك منطق المكابرة لدى الأطراف المتصارعة، داعيًا إلى واقعية سياسية تعترف بأن الحل لا يكمن في إقصاء طرف أو استمرار فرض الأمر الواقع، بل في الالتفاف حول سيادة الدولة.
سياق إقليمي
تأتي هذه المبادرة في سياق إقليمي ودولي ضاغط يسعى لمنع توسع الصراع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. طرح لبنان لجهوزيته للتفاوض برعاية دولية على “وقف نهائي للاعتداءات”، وربطه بآلية دولية لدعم الجيش وإعادة الإعمار، يمثل محاولة لاستثمار الاهتمام الدولي الحالي لتحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد، أهمها تطبيق كامل للقرار الأممي 1701.
في الختام، تضع مبادرة الرئيس اللبناني الكرة في ملعب القوى الداخلية والمجتمع الدولي على حد سواء. فهي تختبر مدى جدية الأطراف المحلية في التخلي عن منطق القوة لصالح الدولة، وفي الوقت نفسه، تقيس مدى استعداد القوى الدولية لتقديم دعم حقيقي وفعال يتجاوز مجرد إدارة الأزمات. يبقى السؤال: هل ستجد هذه الخريطة طريقها إلى التنفيذ أم ستبقى مجرد خطاب في ذكرى استقلال لا يزال منقوصًا؟









