حرب المسيرات الرقمية.. هل تحسم الحلول القيصرية معركة الغش في الثانوية العامة؟
بين معارك التكنولوجيا وسيادة القانون.. نماذج دولية تضع منظومة الامتحانات المصرية أمام خيارات صعبة

تحولت معركة الغش في امتحانات الثانوية العامة من مجرد محاولات فردية تقليدية إلى جريمة منظمة تدار عبر شبكات تقنية معقدة، ما يضع نزاهة الشهادات التعليمية على المحك. ومع تطور أدوات الغش الرقمي إلى سماعات متناهية الصغر وشرائح اتصال مخفية، باتت الطرق التقليدية للتفتيش عاجزة عن ضبط التسريب، وسط تحذيرات من اتساع رقعة هذه التجارة غير المشروعة التي تضرب مبدأ تكافؤ الفرص الذي تدعو إليه منظمة UNESCO كركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية.
لم تعد العقوبات القانونية وحدها كافية لردع هذه الشبكات؛ فرغم أن المشرّع المصري غلظ العقوبات بموجب القانون رقم 205 لسنة 2020 لتصل إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على 7 سنوات، وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على 200 ألف جنيه لكل من طبع أو نشر أو أذاع أو روج بأي وسيلة أسئلة الامتحانات، إلا أن السوق السوداء لأجهزة الغش لا تزال تشهد طلباً نشطاً مع اقتراب موسم الامتحانات من كل عام.
النماذج الدولية تشير إلى أن مواجهة هذا الاختراق الرقمي تتطلب حلولاً تقنية راديكالية تبدأ من السيطرة على الفضاء الإلكتروني المحيط باللجان. في الصين، وخلال امتحانات القبول الجامعي الوطنية المعروفة باسم “جاوكاو”، فرضت السلطات قيوداً صارمة على شركات التكنولوجيا الكبرى مثل تينسنت وعلي بابا، حيث تم تعطيل ميزات روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مؤقتاً لمنع توظيفها في حل الأسئلة، وفق تقارير موثقة نشرتها وكالة Reuters الدولية.
تجارب دول الجوار تقدم أيضاً خيارات أكثر صرامة للتعامل مع الأزمة؛ إذ تلجأ الحكومة العراقية سنوياً إلى قطع خدمة الإنترنت بشكل كامل في جميع أنحاء البلاد خلال ساعات الصباح التي تُجرى فيها امتحانات البكالوريا لمنع أي تسريب رقمي للأسئلة. وفي ذات السياق، اعتمدت الأردن على تفعيل أجهزة تشويش متطورة داخل مراكز الامتحانات ومحيطها لتعطيل موجات الاتصال وحجب شبكات الهاتف المحمول تماماً عن أي أجهزة مهربة.
الجزائر هي الأخرى خاضت ذات المعركة منذ عام 2016 عقب تسريبات واسعة النطاق، وقررت تقييد الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي وقطع الإنترنت جزئياً خلال فترات الاختبارات لحماية قيمة شهادتها الوطنية. هذه الإجراءات، رغم كلفتها الاقتصادية والخدمية، تعكس قناعة دولية متزايدة بأن مواجهة الغش الإلكتروني لم تعد قضية تعليمية فحسب، بل هي قضية أمن قومي ترتبط مباشرة بجودة رأس المال البشري ومستقبل الإدارة العامة.
وزارة الاتصالات المصرية تمتلك بالفعل سوابق تقنية ناجحة يمكن البناء عليها، مثل منظومة إيقاف الهواتف الواردة من الخارج وغير المسجلة على الشبكات المحلية، وهي آلية يمكن تكييفها لتعطيل شرائح الاتصال المستخدمة في سماعات الغش السرية بمجرد دخولها حرم اللجان. غياب هذه الحلول التكنولوجية الشاملة يبقي لجان الامتحانات، خاصة في المناطق التي تشهد توترات واعتداءات متكررة على المراقبين، في حالة استنزاف مستمر وصراع غير متكافئ مع أدوات غش تتطور بشكل أسرع من الإجراءات الإدارية التقليدية.











