آمال جديدة لعلاج هشاشة العظام: دراسات تكشف آليات تقوية العظام
باحثون يحددون مستقبلات خلوية وهرمونات جديدة لدعم صحة العظام

تُعد هشاشة العظام مرضاً صامتاً يفتك بملايين حول العالم، ويشكل تحدياً صحياً كبيراً في مصر والمنطقة العربية، حيث تؤثر على جودة حياة كبار السن بشكل خاص. إلا أن اكتشافات علمية حديثة تبشر بإمكانية مواجهة هذا المرض، إذ تشير الأبحاث إلى آليات رئيسية لتقوية العظام يمكن استهدافها لعلاج هشاشة العظام وتجاوز قيود العلاجات الحالية. هذه التطورات تفتح الباب أمام مستقبل أكثر صحة للمسنين.
حدد باحثون من جامعة لايبزيغ الألمانية وجامعة شاندونغ الصينية، في دراسة جرت عام 2025، مستقبل GPR133 الخلوي (المعروف أيضاً باسم ADGRD1) على أنه عامل حاسم في كثافة العظام. يلعب هذا المستقبل دوراً أساسياً عبر خلايا بناء العظام التي تُعرف باسم ‘الخلايا البانية للعظام’. سابقاً، رُبطت التغيرات في جين GPR133 بكثافة العظام، ما دفع الباحثين للتركيز على البروتين الذي ينتجه. نتائج لا يمكن تجاهلها.
أجرى الفريق تجارب على فئران، حيث أُزيل الجين أو تم تنشيطه باستخدام مادة كيميائية تسمى AP503. ظهرت على الفئران التي افتقدت جين GPR133 ضعف في العظام، مشابه لأعراض هشاشة العظام عند البشر. بينما، تحسنت عملية إنتاج العظام وقوتها بشكل ملحوظ عندما كان المستقبل موجوداً ونشطاً بواسطة المادة AP503. خطوة جريئة نحو العلاج.
https://www.youtube.com/watch?v=8_dAqJm4bs
قالت إينيس ليبشر، باحثة الكيمياء الحيوية من جامعة لايبزيغ، عند إعلان النتائج العام الماضي: “باستخدام المادة AP503، التي اكتُشفت مؤخراً عبر فحص بمساعدة الحاسوب كمنشط لـ GPR133، تمكنا من زيادة قوة العظام بشكل كبير لدى الفئران السليمة والتي تعاني من هشاشة العظام.” في هذه التجارب، عملت AP503 كزر بيولوجي يدفع الخلايا البانية للعظام للعمل بجهد أكبر. كما أظهر الباحثون أن المادة يمكنها العمل بالتوازي مع التمارين الرياضية لتقوية العظام بدرجة أكبر.
يُعد تحديد مستقبل GPR133 الخلوي كحلقة وصل حاسمة في الحفاظ على قوة عظام الفئران اكتشافاً مهماً. ورغم أن النتائج تستند إلى نموذج حيواني، فمن المرجح أن تكون العمليات الأساسية متشابهة لدى البشر. تضيف ليبشر: “إذا تعرض هذا المستقبل للخلل بسبب تغييرات وراثية، تُظهر الفئران علامات فقدان كثافة العظام في سن مبكرة، على غرار هشاشة العظام لدى البشر.” أرقام مقلقة تعزز الحاجة للبحث.

هشاشة العظام حالة خطيرة تؤثر على الملايين حول العالم، ورغم توفر علاجات تبطئ تقدم المرض، فلا توجد طريقة لعكسه أو شفائه بشكل كامل. غالباً ما تحمل العلاجات الحالية آثاراً جانبية خطيرة، مثل زيادة خطر الإصابة بأمراض أخرى، أو تفقد فعاليتها مع مرور الوقت. هذا تحدٍ كبير يواجه الطب الحديث في دول مثل مصر التي تشهد ارتفاعاً في نسبة كبار السن.
تؤثر عوامل متعددة على قوة العظام، ما يمنح العلماء مجالاً واسعاً لإيجاد طرق لمواجهة مشكلات مثل هشاشة العظام وتعزيز شيخوخة صحية. وفي عام 2024، طور علماء زراعة تعتمد على الدم لتعزيز آلية إصلاح العظام في حالات الكسور الشديدة. عندما تتعرض الأنسجة الجلدية للجروح، يبدأ الدم بالتجلط كجزء من عملية الشفاء الطبيعية.
وصف الفريق الدولي من الباحثين وراء هذه الزراعة، المادة بـ”مادة تجديد حيوية تعاونية”: تستخدم ببتيدات صناعية لتحسين بنية ووظيفة الحاجز الذي يتشكل طبيعياً بالدم عند التجلط. في تجارب على الفئران، كانت المادة الشبيهة بالهلام، والتي يمكن طباعتها بتقنية ثلاثية الأبعاد، فعالة في إصلاح تلف العظام. إذا أمكن تكييفها وتوسيع نطاق استخدامها للبشر، فإن لديها إمكانات هائلة لتعزيز عمليات الشفاء الطبيعية للجسم.
أفاد المهندس الطبي الحيوي كوسيمو ليغوريو من جامعة نوتنغهام بالمملكة المتحدة، عند نشر دراسة 2024، بأن “إمكانية تحويل دم الأشخاص بسهولة وأمان إلى زراعات ذات قدرة عالية على التجديد أمر مثير حقاً.” الدم عملياً مجاني ويمكن الحصول عليه بسهولة من المرضى بكميات كبيرة نسبياً. اكتشاف عملي يقلل التكلفة.

لطالما اهتم العلماء بتسخير عمليات إصلاح الجسم الطبيعية لتحسين العلاجات الطبية، سواء كان ذلك بتعزيز جهاز المناعة أو تحسين المواد الطبيعية بمكونات صناعية. أجسامنا ماهرة بشكل لا يصدق في إصلاح الإصابات والأضرار، لكن عمليات الإصلاح هذه قد تُجهد أحياناً، وتميل إلى أن تصبح أقل فعالية مع تقدم العمر وتأثيرات التآكل. هذا واقع مرير يواجه كبار السن في كل مكان.
كما كشف اكتشاف حديث آخر في هذا المجال عن هرمون جديد في إناث الفئران يعزز نمو عظام قوية وكثيفة بشكل مذهل. في دراسة أخرى نُشرت عام 2024، حدد فريق بقيادة باحثين من جامعة كاليفورنيا، سان فرانسيسكو، هرموناً يُسمى ‘هرمون الدماغ الأمومي’ (MBH)، الذي يبدو أنه يعزز كثافة العظام وكتلتها وقوتها في تجارب على ذكور وإناث الفئران.

في فترة الرضاعة، يظهر هرمون MBH (باللون الأحمر) في دماغ الأنثى داخل الخلايا العصبية المجاورة لخلايا أخرى، تُسمى التانيسايت (باللون السماوي). (مختبر إنغراهام)
عندما اختبرنا هذه العظام، تبين أنها أقوى بكثير من المعتاد، هذا ما أوضحه عالم الخلايا الجذعية توماس أمبروسي من جامعة كاليفورنيا ديفيس، وقت نشر النتائج. “لم نتمكن قط من تحقيق هذا النوع من التمعدن ونتائج الشفاء بأي استراتيجية أخرى.”
في حين أن العديد من هذه الاكتشافات لم تُظهر حتى الآن إلا في الحيوانات، ولم تُختبر بعد على البشر، فإن إمكانية تطوير أدوية مستقبلية لتقوية العظام تبدو واعدة جداً. ويأمل مؤلفو دراسة 2025 أن تُستخدم العلاجات المستقبلية لتقوية العظام السليمة بالفعل، وإعادة بناء العظام المتدهورة إلى كامل قوتها، كما في حالات هشاشة العظام لدى النساء اللاتي يمررن بسن اليأس. جدير بالذكر أن دراسات سابقة ربطت أدوية شبيهة بالأوزمبيك بزيادة خطر الإصابة بحالات العظام والمفاصل.
قالت عالمة البيولوجيا الجزيئية جوليان ليمان من جامعة لايبزيغ: “التعزيز المتوازي الجديد للعظام يُبرز مرة أخرى الإمكانات الكبيرة التي يحملها هذا المستقبل للتطبيقات الطبية في مجتمع يزداد فيه عدد كبار السن.” نُشر البحث في مجلة Signal Transduction and Targeted Therapy.









