صراع إيران.. أرباح “طارئة” لشركات طاقة أمريكية وسط فوضى الأسواق
الولايات المتحدة تتصدر قائمة مصدري الغاز المسال عالمياً وتستفيد من توقف الإمدادات القطرية

بينما يلقي الصراع الدائر في منطقة الخليج بظلاله القاتمة على ملايين البشر، ويزيد فاتورة المعيشة ويربك أسواق الطاقة العالمية، تبرز مفارقة غريبة: صناعات بعينها تجني الأرباح. هكذا تعمل المنظومة المالية العالمية، وتحديداً شركات طاقة أمريكية تجد نفسها في صدارة المستفيدين من هذا الواقع المعقد.
يقول توم بوردي، كبير محللي الغاز الطبيعي المسال في شركة «إنرجي آسبكتس»، إن “مصدرّي الغاز الطبيعي المسال الأمريكيون هم الرابحون الأكيدون على المدى القريب”. فلقد أحدث الصراع فجوة عميقة في السوق، وشركات الطاقة الأمريكية مؤهلة لسد جزء كبير من هذا النقص.
مؤخراً، اضطرت قطر لإغلاق محطة “رأس لفان” للغاز، الواقعة على طرفها الشمالي الشرقي، والتي تنتج عادةً خُمس الغاز الطبيعي المسال في العالم. هذا الإغلاق جاء نتيجة للقصف الجوي الذي أوقف حركة الشحن في مضيق هرمز الحيوي، والذي يعد شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز العالمية.
هنا يبرز دور الولايات المتحدة، التي أصبحت بفضل “ثورة الغاز الصخري” الأخيرة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم. ما يميز الشركات الأمريكية بشكل خاص هو امتلاكها نسبة كبيرة نسبياً (تتراوح بين 10% إلى 15%) من إنتاجها غير المرتبط بعقود طويلة الأجل.
تتيح هذه المرونة لهذه الشركات البيع في السوق الفوري لمن يدفع أعلى سعر، وهو ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني. قفزت أسعار الغاز 50% في الأسواق الأوروبية والآسيوية خلال الأسبوع الأول من بدء الصراع، مما يعكس حالة عدم اليقين السائدة.
تشير تقديرات نموذج أعدته شركة “إنرجي فلكس” إلى أن صناعة الغاز الطبيعي المسال الأمريكية تتجه نحو تحقيق أرباح طارئة بقيمة 188 مليار جنيه مصري في الشهر الأول من الصراع، حتى لو انتهى النزاع الآن. ويتوقع أن تظل محطة رأس لفان القطرية خارج الخدمة لمدة أربعة أسابيع على الأقل.
يؤكد سيب كينيدي، مؤسس ومحلل “إنرجي فلكس”، أن “الولايات المتحدة هي المصدر المعتمد للإمدادات الإضافية”. ويضيف: “مصدرّو الغاز الطبيعي المسال، وعملاؤهم الذين يشترون الشحنات ثم يبيعونها في أسواق الاستهلاك النهائية، هؤلاء اللاعبون سيجنون أرباحاً استثنائية من حرب إيران. هذا هو الحال دائماً عندما تحدث صدمة في الإمدادات، فالشركات التي تملك إمدادات احتياطية تكافئها السوق دائماً”.
يبدو أن هذه المكاسب بدأت بالفعل تعزز تقييمات بعض اللاعبين الرئيسيين في السوق. شركة “فينشر جلوبال”، التي تبيع كميات كبيرة من الغاز خارج العقود التقليدية، أعلنت الأسبوع الماضي أنها “مستعدة” للمساعدة في إبقاء الأسواق مزودة بالوقود. وارتفع سعر سهمها بنسبة 28% في الأسبوع الأول من القتال، مدعوماً أيضاً بقرار قضائي يتعلق بقدرتها على بيع الشحنات الفورية.
كما حققت شركة “شينير إنرجي”، وهي لاعب أصغر في السوق الفوري، مكاسب بنسبة 8%، رغم أنها صرحت بأنها باعت بالفعل معظم إنتاجها لعام 2026. ورفضت الشركتان التعليق على الأمر، فيما لم يستجب الاتحاد التجاري الأمريكي للغاز الطبيعي المسال (Center for LNG) لطلبات التعليق.
لكن هذه المرونة التي تسمح بالبيع بأسعار مرتفعة الآن لها وجه آخر. عندما تنخفض الأسعار، تتحمل هذه الشركات الخسائر. وفي الوقت الراهن، لا تستطيع الشركات الأمريكية المصدرة للغاز الطبيعي المسال سد الفجوة الكاملة التي أحدثتها قطر.
في المقابل، ستدخل شركات الغاز الطبيعي المسال من دول أخرى السوق لتجني أرباحاً هي الأخرى. على المدى الطويل، يشير ماتيو أوتنج، كبير محللي الغاز الطبيعي والغاز المسال، إلى أن “الرابحين الحقيقيين هم الدول التي تستطيع توفير الغاز الطبيعي المسال عبر طرق شحن غير معرقلة”.
ويضيف أوتنج أن “دولاً مثل أستراليا وكندا وبيرو وغرب المكسيك والأرجنتين هي التي تستفيد أكثر على المدى البعيد، لأن الغاز الطبيعي المسال لديها يبقى ضمن حوض المحيط الهادئ ولا يمر عبر نقاط اختناق بحرية خطيرة”.
لا تسير الأمور بسلاسة تامة في الصناعة الأمريكية أيضاً. فقد تعرضت بعض الشركات هناك لاضطرابات في إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج. ومع تعطل إمدادات النفط كذلك، تشهد أسعار الوقود ارتفاعاً في محطات التعبئة بالولايات المتحدة، حيث اعتاد السائقون على أسعار منخفضة ويشعرون بحساسية لأي زيادة.
يبحث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الآن في إمكانية تقديم تغطية تأمينية ومرافقة بحرية للسفن لمساعدة الناقلات على الخروج من الخليج. لطالما هدف السيد ترامب إلى تعزيز “هيمنة الطاقة الأمريكية”، ورغم أن هذا الصراع لا علاقة له بشكل مباشر بهذه الأجندة، إلا أنه يساعد حفنة من الشركات في تحقيق مكاسب غير متوقعة حتى الآن.









