اقتصاد

هرمز يُشعل فاتورة التأمين البحري.. ومقترح ترامب “المُثير للجدل” يثير التساؤلات

خبراء يؤكدون أن العرض الأمريكي قد يزيد المخاطر، والأسعار تتضاعف 12 مرة.. وتداعيات تطال واردات مصر من النفط والسلع.

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

قفزت أسعار التأمين البحري في المنطقة بصورة جنونية، لتدفع فاتورة الاستيراد والتصدير في دول الخليج ومصر إلى مستويات غير مسبوقة، وذلك رغم العرض المثير للجدل الذي قدمه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بتقديم تأمين بحري وحماية عسكرية أمريكية للسفن العابرة لمضيق هرمز. هذه الزيادات الحادة في التكاليف، التي قد تترجم في النهاية إلى ارتفاع بأسعار السلع الأساسية للمستهلك المصري، جاءت بعدما سارع شركات التأمين لإعادة تقييم المخاطر المحدقة بسفن النفط والغاز والبضائع.

يأتي هذا التطور بعد أن أغلق مضيق هرمز فعليًا أمام حركة الشحن، إثر الهجوم الأمريكي الأخير على إيران. كتب ترامب الثلاثاء على منصته ‘تروث سوشيال’ أن الولايات المتحدة ستوفر غطاءً تأمينيًا ‘بسعر معقول جدًا… لضمان الأمن المالي لجميع التجارة البحرية، وخصوصًا الطاقة، التي تعبر الخليج’. أمر يثير تساؤلات جدية حول مدى جدوى هذه الحماية المزعومة في ظل تصاعد التوتر.

كما ألمح إلى إمكانية استخدام مرافقات بحرية عسكرية لتوفير ممر آمن للناقلات في الخليج العربي، وهو الممر الحيوي الذي يشكل طريقًا لتصدير 20% من إمدادات النفط العالمية. هذه الحماية، لو حدثت، ستكون مكلفة للغاية على المستويين المالي واللوجستي، وقد تدفع القاهرة أيضًا للتفكير في استراتيجيات بديلة لتأمين وارداتها النفطية، خاصة مع تزايد الاعتماد على قناة السويس كممر بديل للطوارئ.

خبراء في ‘لويدز أوف لندن’، أقدم سوق للتأمين في العالم، صرحوا لـ’سكاي نيوز’ بأن مقترح الرئيس الأمريكي السابق يفتقر إلى الوضوح، وأن المرافقات البحرية العسكرية قد تزيد في الواقع من مخاطر الشحن. يبدو أن عرض ترامب لم يُقنع أصحاب الخبرة الحقيقية في إدارة المخاطر.

على إثر هذه التطورات، وسعّت لجنة الحرب المشتركة (JWC) التابعة لجمعية أسواق ‘لويدز’ – التي تمثل المشاركين في السوق – يوم الثلاثاء، منطقة ‘المخاطر العالية’ في الشرق الأوسط لتشمل الخليج العربي بأكمله. خطوةٌ لا يمكن تجاهل تداعياتها على حركة الملاحة والتجارة الإقليمية، التي تعتمد عليها مصر بشكل كبير في وارداتها.

شركات التأمين بدأت بالفعل في إلغاء أو إعادة تسعير بوالص التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن في المنطقة، لكن نيل روبرتس، أمين لجنة الحرب المشتركة، أكد لـ’سكاي نيوز’ أن السوق لا يزال يعمل بكفاءة، وأن التدخل الأمريكي غير ضروري. وكأن الأسواق لا تحتاج إلى مزيد من الإرباك.

يقول روبرتس: ‘لا أعتقد أن تفاصيل مثل هذا المخطط قُدمت لأي جهة حتى الآن، على حد علمنا، وسيتطلب الأمر وقتًا طويلًا لوضعه، كما أن الرغبة فيه غير معروفة’. ويضيف: ‘سوقنا لا يزال يغطي المخاطر، وليس هناك تصور هنا بوجود حاجة للتدخل في هذا الوقت’. تعليقاتٌ تكشف عن شكوك عميقة في قدرة الاقتراح الأمريكي على تحقيق أهدافه.

روبرتس يتوقع ارتفاعًا حتميًا في أقساط التأمين لتعكس تزايد المخاطر في الخليج، وسط تقارير تشير إلى زيادات تصل إلى 12 ضعفًا. قفزة جنونية، تدفع التجار والمستوردين في المنطقة، بمن فيهم نظرائهم في مصر، إلى إعادة حساباتهم جذريًا. محذرًا من أن المرافقات الأمريكية قد تتحول إلى هدف بحد ذاتها، لا رادعًا.

ويوضح: ‘هناك من يعتقد أن ذلك قد يزيد من حجم الهدف، لأن الإيرانيين يستهدفون الجيش الأمريكي. ليس معروفًا مدى قدرتهم على مواجهة تهديدات الطائرات المسيرة والصواريخ الجديدة التي نشهدها. فالوضع الآن ليس كما كان عليه في الثمانينيات’. مقارنةٌ ذكية تبرز خطورة المشهد الحالي.

يختتم روبرتس حديثه: ‘بالطبع، يرغب الناس في رؤية التفاصيل، ويتمنون أن يحدث ذلك، وإذا كنت مالكًا لناقلة، فستسعد من ناحية بهذا العرض، ومن ناحية أخرى ستحاول فهم ما إذا كان سيزيد من المخاطر أم لا، وهل أنت مستعد لقبوله؟’. معضلة حقيقية تواجه أسطول النقل البحري.

ويضيف: ‘ما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع غير من طبيعة المخاطر في المنطقة، وكان من الضروري لشركات التأمين إعادة تقييم موقفها في ضوء المخاطر الجديدة. وبالنسبة للجنة الحرب المشتركة، زدنا مؤخرًا المناطق المدرجة لدينا بإضافة القواعد الأمريكية التي أصبحت الآن أهدافًا لم تكن مدرجة سابقًا. وهذا يعني أن لدينا الفرصة كشركات تأمين لإعادة تقييم الرحلات على أساس فردي’. تغيير جذري في خريطة المخاطر الإقليمية.

المنطقة شهدت بالفعل هجمات مباشرة على عدد من الناقلات في الخليج منذ بدء الصراع، إضافة إلى استهداف البنى التحتية النفطية والغازية والشحن في السعودية وقطر والإمارات. أحداثٌ تؤكد أن التهديد بات واقعًا ملموسًا، وليس مجرد تكهنات.

عشرات السفن باتت ترسو على جانبي مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، فضلاً عن تكاليف الشحن. هذه التداعيات لا تلبث أن تصل إلى أسعار الوقود في مصر، وتؤثر على تكاليف نقل السلع الأساسية.

حتى الآن، يقتصر التأثير الاقتصادي إلى حد كبير على أسواق السلع الأولية، لكن إغلاقًا مطولًا للمضيق، والذي يستنزف احتياطيات النفط العالمية، قد يؤدي إلى تأثيرات أوسع واضطراب تجاري خطير يمس اقتصادات المنطقة بأسرها، بما فيها مصر.

كما يمكن أن تتعرض إمدادات الغذاء والسلع القادمة إلى دول الخليج من أوروبا وإفريقيا وآسيا للاضطراب، وهو ما يهدد بتفاقم أزمة سلاسل الإمداد العالمية التي لم تتعافَ بعد من صدمات سابقة.

في سياق متصل، أعلنت حكومة الإمارات في وقت سابق من هذا الأسبوع أنها تمتلك مخزونات تكفي لمدة تتراوح بين أربعة وستة أشهر، لكنها حثت مواطنيها على شراء ما يحتاجونه فقط وتجنب عمليات الشراء المندفعة ‘لضمان توفر ما يكفي للجميع’. رسالةٌ واضحة تعكس حجم القلق الإقليمي.

مقالات ذات صلة