اقتصاد

الخليج العربي: لماذا يهتز العالم مع كل توتر في مياهه؟

من النفط إلى الأسمدة وقطع الطائرات: صدمة إمدادات الهيدروكربونات تداعياتها عالمية

لا يضاهي الخليج العربي أي بقعة على وجه الأرض في تركيز هائل لمصادر الطاقة.

تلك مفارقة كبرى، لازمت المنطقة عقودًا، فكانت سندًا لها وسببًا لقلقها. وهذا يفسر شغف الكثير من دول العالم بما يجري هناك، وهو نفسه السبب الرئيس وراء تهديد أي حرب في الخليج للنمو الاقتصادي العالمي.

قد يغري البعض، ونحن في عام 2026 لا 1976، بالظن أن أسعار النفط لم تعد ذات أهمية. وصحيح أن مساهمة النفط المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي تراجعت كثيرًا عما كانت عليه قبل خمسين عامًا، لكن أي تعطل لإمدادات الهيدروكربونات من الخليج يحمل اليوم ثقلاً هائلاً، وذلك لسببين اثنين، وهو أمر يدعو للتأمل في مدى استمرار اعتماد العالم على هذه المنطقة.

السبب الأول أننا لا نتحدث هنا عن النفط الخام وحسب. بل نتحدث عن الأسمدة (المشتقة من الغاز الطبيعي)، وعن البلاستيك (الناتج عن عديد البتروكيماويات المنتجة من الغاز والنفط)، وعن المواد المركبة التي تدخل في هياكل أحدث الطائرات المدنية وسيارات الفورمولا واحد. كل هذه تبدأ كنفط وغاز يُضخ من باطن الأرض. ولا يوجد مخزون أكبر لهذه الهيدروكربونات في أي مكان آخر على الكوكب غير هذه المنطقة.

أما النقطة الثانية، فتتمثل في أن غالبية هذه الهيدروكربونات تضطر للخروج من الخليج عبر ممر ملاحي واحد ضيق، نعرفه بمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لا غنى عنه للعالم. وبما أن إيران تحاذي هذا المضيق من الشمال، فإن ذلك يثير تساؤلات عميقة حول سهولة حصولنا على هذه المكونات الحيوية للحضارة الإنسانية مستقبلاً، ويضع المنطقة دائمًا تحت مجهر التوترات.

النقطة الثالثة، تضع علامة استفهام كبرى حول قدرتنا على استخراج هذه المصادر من الأرض أصلاً. الحدث الأبرز الذي حرك الأسواق اليوم تمثل في أنباء إغلاق قطر لمنشأة راس لفان. قلة من الناس سمعت عن راس لفان، أو حقل الشمال الذي يتصل به، وهو أمر يدعو للاستغراب حقًا بالنظر إلى أهميته الجيوسياسية. لكن راس لفان هو أكبر محطة غاز في العالم، وحقل الشمال هو أضخم حقل غاز على الإطلاق. بل هو أكثر من ذلك؛ إنه أكبر مصدر منفرد للطاقة في أي مكان، يفوق أي حقل نفط أو منجم يورانيوم.

كل هذا يفسر قفزة أسعار الغاز بنسبة 50% فور شيوع الأنباء، وهي قفزة ليست بالهينة في ظرف كهذا. في الوقت الراهن، تذهب غالبية غاز قطر إلى آسيا، لكن دولًا عديدة، منها المملكة المتحدة، كانت تتطلع إلى الاعتماد المتزايد على قطر للحصول على الغاز الطبيعي المسال في السنوات القادمة. الآن، تلوح علامة استفهام ضخمة فوق تلك الإمدادات؛ فمتى تستأنف راس لفان ضخها من جديد؟ ناهيك عن موعد مرور ناقلات الغاز الطبيعي المسال بأمان عبر مضيق هرمز. وهذا المشهد يثير قلقًا خاصًا لدول المنطقة، مثل مصر التي تسعى لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة، فاستقرار الإمدادات أمر حيوي لمثل هذه الطموحات التي تعتمد بشكل كبير على الهدوء الإقليمي.

يبقى ما يعنيه هذا كله للاقتصاد البريطاني غير واضح تمامًا. إذا تراجعت أسعار الغاز بسرعة مجددًا، سيكون الأثر على الفواتير ضئيلًا. لا تزال أسعار الجملة، رغم قفزة اليوم، أقل بكثير مما كانت عليه في عام 2022. لكن كلما طال أمد هذا الوضع، زاد التأثير على أوروبا والمملكة المتحدة. فبعد تعافٍ بالكاد من صدمة أسعار الطاقة في السنوات الأخيرة، هناك فرصة ليست بالهينة للانجرار إلى صدمة أخرى من جديد.

مقالات ذات صلة