اقتصاد

الصيانة تتحول إلى رافعة اقتصادية: من إصلاح الأعطال إلى تعزيز القيمة

تحليل مركز المعلومات يوضح أن سوق الصيانة وصل 104.6 مليار دولار في 2024 ويتوقع تضاعفه بحلول 2033

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء تحليلًا مفاجئًا حول “اقتصاديات الصيانة”؛ ليس مجرد ورقة تقنية بل بيان يضع الصيانة في صلب الاستراتيجية الاستثمارية.

المفاجأة الأولى: قيمة سوق خدمات الصيانة عالميًا بلغت 104.6 مليار دولار في 2024، ومع توقعات بعض المتخصصين قد تتجاوز 213 مليار بحلول 2033، أي نمو سنوي مركب يقترب من 9.4%.

لكن قبل ما نغوص بالأرقام، نرجع للوراء شوية. في أوائل التسعينات، كان يُنظر إلى الصيانة كتكلفة جانبية تُدفع بعد ما ينهار الجهاز. بعد ما ظهرت أدوات تحليل دورة الحياة (LCCA) في أوائل الألفينات، بدأوا يجرّبوا يحسبوا تكلفة الملكية على المدى الطويل. من هنا بدأ التحول.

التحليل يوضح إن مفهوم “اقتصاديات الصيانة” ما عاد يقتصر على إصلاح الأعطال، بل صار إطارًا يدمج الهندسة والاقتصاد والاستدامة. الفكرة الأساسية: تقليل تكلفة الملكية (TCO) مش بس تقليل الإنفاق الفوري.

ثلاث استراتيجيات رئيسية تُستند إليها الشركات اليوم:

  • الصيانة التفاعلية – الإصلاح عند العطل. تبدو رخيصة للوهلة الأولى، لكن مع كل توقف غير مخطط يتراكم خسائر لا تُحصى؛ من نفقات إصلاح فورية إلى خسارة إنتاجية لا تُقاس بسهولة.
  • الصيانة الوقائية – جداول فحص دورية، تشحيم، واستبدال قطع وفق جدول زمني. الاستثمار الأولي أكبر، لكن العائد يظهر في تقليل فترات التوقف غير المتوقعة.
  • الصيانة التنبؤية – حساسات، تحليل بيانات، نماذج تنبؤية. هنا تكاليف الإعداد مرتفعة (أجهزة استشعار، منصات سحابية، خوارزميات)، لكن الشركات التي اعتمدتها شهدت انخفاضًا في التوقفات يصل إلى 30% في بعض القطاعات.

سوق الصيانة التنبؤية، بحسب تقرير آخر، كان 13.65 مليار دولار في 2025، ومن المتوقع يقترب من 17.1 مليار في 2026، ثم ينهض إلى 97.4 مليار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي مركب 24.3%.

… وفي الوقت نفسه، الشركات الكبيرة تعاني من أرقام صادمة. في قطاع السيارات، ساعة توقف واحدة قد تكلف 2.3 مليون دولار؛ وفي الصناعات الثقيلة قد تتجاوز الخسائر السنوية 59 مليون دولار. أما الشركات المتوسطة فـ 90% منها تدفع أكثر من 300 ألف دولار للساعة، وبعضها يصل إلى مليون أو أكثر. الشركات الصغيرة؟ خسارة 0.67 دولار لكل دقيقة لكل موظف، ما يعني أكثر من 250 ألف دولار سنويًا لشركة مكوّنة من 100 موظف.

التوقف عن العمل لم يعد مجرد إزعاج؛ هو خطر مالي مباشر يهدد استمرارية الأعمال. وهذا ما دفع مديري استمرارية الأعمال إلى إعادة ترتيب أولوياتهم، مع التركيز الآن على خطط التعافي السريعة وتكامل فرق تكنولوجيا المعلومات مع مهندسي الصيانة.

من ناحية أخرى، الصيانة اليوم تُستَخدم كأداة في الاقتصاد الدائري. الشركات التي تتبنى نموذج “المنتج كخدمة” (PaaS) لا تبيع الجهاز فقط، بل تبيع الأداء. كلما طال عمر الجهاز بفضل صيانة ذكية، كلما ارتفع العائد على الأصل. وهذا يتماشى مع هدف عالمي: فك الارتباط بين النمو الاقتصادي واستنزاف الموارد.

إحصائية سريعة: 95% من كبار التنفيذيين في عشرة قطاعات صناعية يعتقدون أن استراتيجيات الصيانة وإطالة عمر الأصول ستصبح أولوية قصوى بحلول 2028؛ 71% وصفوها بأنها “شديدة الأهمية”. 80% يتوقعون أن نمو إيرادات الأنشطة الدائرية سيتجاوز متوسط نمو الشركة العام خلال الثلاث سنوات القادمة.

في ختام التحليل، يصرّح أحد الخبراء بأن اختيار استراتيجية الصيانة – تفاعلية، وقائية أو تنبؤية – ليس مجرد قرار فني، بل هو قرار اقتصادي يحدد مستوى الإنتاجية، تكلفة التوقف، والعائد على الأصول. إذا ما استُخدمت الصيانة كعنصر أساسي في تخطيط الاستثمار وإدارة المخاطر، فإنها تصبح ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها في بيئات صناعية تتسم بعدم اليقين وتنافس عالمي متسارع.

مقالات ذات صلة