فجوة الأجور في إسبانيا: مدريد تتفوق على كتالونيا بأكثر من 1800 يورو سنوياً
دراسة حديثة تكشف استمرار الفارق في الرواتب بين المنطقتين، وتبرز تحديات القوة الشرائية في سوق العمل الإسباني.

ما زالت فجوة الأجور بين مدريد وكتالونيا قائمة دون حل، حيث أظهرت دراسة حديثة أن العاملين في العاصمة الإسبانية يتقاضون متوسط دخل يزيد بنحو 1860 يورو سنوياً عن نظرائهم في كتالونيا. هذه الأرقام، التي تستند إلى أحدث دراسة حول تطور الرواتب لعام 2025، أعدتها كلية إدارة الأعمال EADA بالتعاون مع شركة ICSA الاستشارية، وشملت عينة واسعة تضم 80 ألف بيانات رواتب.
يُشير التقرير إلى أن هذا الفارق هو المتوسط العام لجميع المستويات الوظيفية التي تناولتها الدراسة، وهي: المديرين، والوظائف الإدارية المتوسطة، والموظفين العاديين. ويؤكد معدو الدراسة أن هذه ليست المرة الأولى التي تتفوق فيها مدريد على كتالونيا في هذا الجانب.
عند النظر إلى الفئة الوظيفية الأعلى، وهي المديرين، يتضح أن الفجوة بين المنطقتين أكثر حدة. ففي حين يحصل المديرون في مدريد على 95,528 يورو سنوياً، يبلغ متوسط دخل نظرائهم في كتالونيا 92,443 يورو. ورغم استمرارها، تتضاءل هذه الفجوة في المستويات الإدارية المتوسطة والوظائف الأساسية. يمكن ربط هذه الفروقات بما يُعرف بـ”تأثير العاصمة”، الذي يؤدي إلى تركز معظم المقرات الرئيسية للشركات الكبرى في مدريد، مما يجعلها جاذبة للخدمات المهنية والتقنية عالية المستوى وذات الأجور المرتفعة.
في سياق متصل، تتزامن المناطق التي شهدت أكبر ديناميكية في الأجور، مثل جزر البليار وجزر الكناري، مع مناطق ذات جاذبية هجرة ونمو سكاني أكبر، بدلاً من تحسينات واضحة في الإنتاجية للفرد. من جهة أخرى، سجلت أراغون أكبر نمو في أجور المديرين لعام 2025 بنسبة 2.49%، بينما تصدرت أستورياس نمو أجور الوظائف الإدارية المتوسطة بنسبة 2.87%، وجزر البليار نمو أجور الموظفين بنسبة 9.98%.
القوة الشرائية الحقيقية
بعيداً عن المقارنة الإقليمية، توصل تقرير EADA وICSA إلى استنتاجات أخرى مهمة. تبرز نتائج نسخة 2025 أن الموظفين شهدوا أكبر زيادة في الأجور خلال العام الماضي، بنسبة 5.50%، ليصل متوسط رواتبهم إلى 28,577 يورو. في المقابل، شهد المديرون تحسناً بنسبة 1.59%، ليبلغ متوسط رواتبهم 90,246 يورو سنوياً. أما الوظائف الإدارية المتوسطة، فسجلت تطوراً أكثر اعتدالاً، بزيادة قدرها 0.25%، أي ما يعادل 105 يورو سنوياً في القيمة المطلقة.
على المدى الطويل، تُظهر الأرقام أن العاملين في المستويات المتوسطة بين المناصب العليا والوظائف حديثة التعيين هم الأكثر تضرراً. فمنذ عام 2007، شهدت القوة الشرائية للوظائف الإدارية المتوسطة أكبر تآكل.
يُشير هذا الواقع إلى ظاهرة تسطيح الهيكل التنظيمي والاستبدال الجزئي للوظائف بفعل الرقمنة ودمج الذكاء الاصطناعي، خصوصاً في قطاعات مثل البنوك. في هذا السياق، يجد المديرون المتوسطون أنفسهم بين المديرين التنفيذيين المدعومين بالتكنولوجيا والموظفين الذين يزداد تخصصهم التقني.
تأتي هذه التطورات مع الأخذ في الاعتبار أن الأرقام تشير إلى خسارة تراكمية في القوة الشرائية منذ عام 2007، باستثناء الفترة بين عامي 2016 و2021، وقد تفاقمت هذه الخسارة بسبب موجات التضخم الأخيرة، التي اندلعت بشكل رئيسي نتيجة للحرب في أوكرانيا والتوترات العالمية في سلاسل التوريد. وفقاً للتحليل التاريخي (2007-2025)، بلغ التضخم التراكمي 43.5%، وكان الموظفون هم المجموعة الوحيدة التي تمكنت من تجاوز مؤشر الأسعار، بزيادة تراكمية قدرها 45.89%.
في هذا الصدد، يوضح أنطون-جوليو مانجانيلي، أستاذ الاستراتيجية في EADA: “تخلق إسبانيا فرص عمل وحجماً اقتصادياً، لكن هذا لا يترجم إلى تحسن متناسب في إنتاجية العامل. هذه الفجوة تفسر لماذا، على الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي، لا تتقدم الأجور الحقيقية بنفس الوتيرة، وتبقى خسارة القوة الشرائية أمراً ثابتاً”.
الشركات الصغيرة والمتوسطة قدوة
في جميع الفئات المهنية، وخاصة بالنسبة للموظفين، كانت الشركات الصغيرة هي التي تحملت العبء الأكبر في زيادة الأجور خلال العام الماضي. تخصص الشركات الصغيرة والمتوسطة جزءاً كبيراً من هوامشها لتكون أكثر تنافسية ولجذب المواهب المؤهلة والاحتفاظ بها وتحفيزها في ظل ندرة الأيدي العاملة الماهرة.
يُبرز التقرير هذا الأمر كنقطة إيجابية، لكنه يُشير أيضاً إلى أنه “قد يمثل استنزافاً مستقبلياً” لنشاط الشركات الأصغر حجماً. ويُعلق إرنستو بوفيدا، الرئيس التنفيذي لشركة ICSA: “من الضروري التخلي عن الزيادات الخطية في الأجور غير المرتبطة بالإنتاجية، والتحرك نحو نماذج تعويض أكثر مرونة واستدامة، تتضمن عناصر غير نقدية مثل المرونة، والعمل عن بعد، والتدريب المستمر، وهي عوامل أساسية لتقليل معدل الدوران وتعزيز التنافسية في بيئات عدم اليقين”.
القطاع المصرفي في الصدارة
يواصل القطاع المصرفي، للعام الثاني على التوالي، تسجيل أفضل الرواتب، باستثناء فئة الموظفين التي يتفوق عليها القطاع الصناعي بفارق 1,368 يورو. على النقيض، يسجل قطاعا التجارة والسياحة أسوأ الرواتب في جميع الفئات التي تم تحليلها. على وجه التحديد، في فئة الموظفين، يظل القطاعان الصناعي والمصرفي هما الأفضل أجراً، بمتوسط 31,597 يورو و30,229 يورو على التوالي.
في المقابل، يُعد موظفو قطاعي التجارة والسياحة الأقل أجراً، بمتوسط 20,228 يورو. ومع ذلك، يُعد هذا القطاع هو الذي شهد أكبر زيادة إذا ما قورن بمتوسط الرواتب لعام 2024.











