عرب وعالم

فيتنام ترسخ استقلالها الاستراتيجي في عالم متغير

رحلة دوي موي: 40 عامًا من بناء استقلالية فيتنام في الاقتصاد والسياسة والدفاع

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

شهدت فيتنام، بعد أربعة عقود من إطلاق سياسة «دوي موي» (التجديد)، إنجازات تاريخية غير مسبوقة في مختلف القطاعات. ويبرز من بين هذه المكتسبات، التي تتسم بأهمية بالغة واستمرارية، ترسيخ وتطوير مفهوم «الاستقلال الاستراتيجي» للبلاد، وهو ما تم تحت قيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي. وفي ظل التحولات العالمية والإقليمية المتسارعة والمعقدة، بات الاستقلال الاستراتيجي دعامة أساسية تضمن لفيتنام صون مصالحها الوطنية، والحفاظ على سيادتها واستقلالها، فضلاً عن تعزيز اندماجها الفاعل والعميق في المنظومة الدولية.

الاستقلال الاستراتيجي: فكر فيتنامي متسق

لا يُعدّ الاستقلال الاستراتيجي فكرة طارئة على فكر قيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي، بل هو مفهوم متأصل. فمنذ تأسيسه، وضع الحزب الاستقلال الوطني المقترن بالاشتراكية هدفًا محوريًا للثورة الفيتنامية. وخلال فترة الحرب، تجسدت هذه الاستقلالية في سياسة «الاعتماد على القوة الذاتية أولًا»، مع السعي للحصول على الدعم الدولي دون الوقوع في تبعية أو المساس بالسيادة الوطنية. ومع انطلاق مرحلة «دوي موي» في عصر السلام والتكامل والعولمة، شهدت الاستقلالية الاستراتيجية تطورًا نوعيًا، متجاوزةً الأبعاد السياسية والعسكرية لتشمل الاقتصاد، العلاقات الخارجية، الأمن، الثقافة، والتنمية. ويشدد الحزب الشيوعي الفيتنامي على أهمية اندماج فيتنام العميق في الساحة العالمية، مؤكدًا أن هذا الاندماج يجب أن يستند إلى مبادئ الاستقلال والاكتفاء الذاتي، بما يضمن أولوية المصالح الوطنية.

الاستقلالية الاستراتيجية في التنمية الاقتصادية

تتجلى الاستقلالية الاستراتيجية بوضوح في فيتنام بعد أربعة عقود من سياسة «دوي موي» في حرية اختيار نموذج ومسار التنمية الاقتصادية. لقد نجحت البلاد في بناء اقتصاد سوق ذي توجه اشتراكي، وهو نموذج فريد صُمم خصيصًا ليناسب الظروف الفيتنامية، بعيدًا عن أي محاكاة لنماذج جاهزة. فبعد أن كان اقتصادًا مركزي التخطيط ومتخلفًا، تحول الاقتصاد الفيتنامي ليصبح من بين الأكثر ديناميكية في آسيا، مندمجًا بعمق في سلاسل القيمة العالمية، وعضوًا فاعلًا في العديد من اتفاقيات التجارة الحرة الحديثة. ورغم هذا الاندماج، ظلت عملية التكامل مرتبطة بتعزيز القوة الذاتية للاقتصاد، من خلال دعم الشركات المحلية، وتأمين الطاقة والغذاء والمال، وضمان الاستقرار الاقتصادي الكلي. ويدعو الحزب الشيوعي الفيتنامي إلى عدم الاعتماد على سوق واحدة، أو شريك تجاري وحيد، أو مصدر رأسمال أوحد، بهدف تقليل مخاطر الصدمات الخارجية وتعزيز قدرة الاقتصاد على التكيف.

الاستقلال الاستراتيجي في السياسة الخارجية

تشكل السياسة الخارجية المستقلة، التي تتسم بالمرونة والتعددية والتنوع، دعامة رئيسية للاستقلال الاستراتيجي الفيتنامي. فبعد أربعة عقود من إصلاحات «دوي موي»، نجحت فيتنام في إقامة علاقات دبلوماسية مع غالبية دول العالم، وأصبحت شريكًا استراتيجيًا شاملًا للعديد من القوى الكبرى، بالإضافة إلى كونها عضوًا نشطًا ومسؤولًا في المنظمات الدولية والإقليمية. ويتميز النهج الفيتنامي في السياسة الخارجية بعدم الانحياز، حيث تتجنب هانوي التحالفات العسكرية، ولا تسمح بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، ولا تعتمد على دولة واحدة لمواجهة أخرى. هذا التوجه يمكّن فيتنام من الحفاظ على توازنها الاستراتيجي، وتجنب الانجرار إلى صراعات القوى العظمى، ويوفر لها المرونة اللازمة لحماية مصالحها الوطنية في بيئة دولية متغيرة. وتبرز الاستقلالية الاستراتيجية في الشؤون الخارجية أيضًا من خلال مشاركة فيتنام الفعالة في الآليات متعددة الأطراف، ودعمها للسلام والتعاون والتنمية، مما يعزز مكانتها وسمعتها عالميًا.

الاستقلال الاستراتيجي في الدفاع والأمن

في سياق الدفاع والأمن، تتجلى الاستقلالية الاستراتيجية عبر بناء منظومة دفاع وطني وأمن شعبي متينة، مع دمج هذين الجانبين بشكل وثيق مع التنمية الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات الخارجية. تلتزم فيتنام بثبات بسياسة دفاعية تستند إلى مبدأ «اللاءات الأربع»، وتعمل على تحديث قواتها المسلحة تدريجيًا، وتطوير صناعاتها الدفاعية، لتعزيز قدرتها على حماية الوطن. ويشدد الحزب الشيوعي الفيتنامي على أن الدفاع عن الوطن مبكرًا، ومن مسافة بعيدة، وبالوسائل السلمية، يمثل سياسة راسخة، مع التأكيد على الجاهزية الدائمة للاستجابة لأي تطورات، وتجنب أي تقاعس أو مفاجآت.

أهمية الاستقلال الاستراتيجي في العصر الجديد

في عالم يشهد تحولات عميقة وتصاعدًا في التنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى، إلى جانب النزاعات المحلية وتحديات العولمة، تزداد أهمية الاستقلال الاستراتيجي بالنسبة لفيتنام. لقد أثبتت تجربة أربعة عقود من إصلاحات «دوي موي» أن الاستقلالية الاستراتيجية، تحت قيادة الحزب الشيوعي الفيتنامي، لا تعني الانعزال أو الابتعاد عن العالم، بل هي اندماج فاعل يهدف إلى تحقيق التنمية مع صون هوية الأمة ومصالحها الأساسية وطابعها الوطني. هذا النهج كان المحرك الأساسي الذي مكن فيتنام من تخطي العديد من الصعوبات والتحديات، مما رسخ تدريجيًا دورها ومكانتها المتنامية على الساحة الدولية. ومع دخول البلاد مرحلة جديدة من التنمية، يظل الاستقلال الاستراتيجي المبدأ التوجيهي لكافة السياسات والتوجيهات الرئيسية للحزب الشيوعي الفيتنامي والدولة الفيتنامية، ضامنًا بذلك تنمية سريعة ومستدامة نحو تحقيق هدف «شعب مزدهر، وأمة قوية، وديمقراطية، وعدالة، وحضارة».

مقالات ذات صلة