الفيدرالي الأمريكي على مفترق طرق: خفض الفائدة يلوح في الأفق وسط انقسام داخلي عميق
في مواجهة بيانات اقتصادية متضاربة، يوازن مجلس الاحتياطي الفيدرالي بين خطر تباطؤ سوق العمل وضغوط التضخم المستمرة، مما يكشف عن خلافات جوهرية حول المسار المستقبلي للسياسة النقدية.

يرى غالبية الاقتصاديين أن ضعف سوق العمل، وليس التضخم، يمثل الآن التحدي الأكبر الذي يواجه صانعي السياسة النقدية الأمريكية، وهو تحول كبير في الأولويات يعكس المخاوف المتزايدة من أن تكلفة كبح الأسعار قد تكون تباطؤاً اقتصادياً حاداً. هذا الإجماع، الذي توصل إليه استطلاع “بلومبرغ” وشمل 41 خبيراً اقتصادياً، يضع الأساس لتوقع خفض جديد في أسعار الفائدة الأسبوع المقبل، في خطوة استباقية تهدف إلى توفير وسادة أمان للاقتصاد قبل أن تترجم الشقوق الأولية في سوق التوظيف إلى تدهور واسع النطاق. القرار المرتقب لن يكون مجرد تعديل ربع نقطة مئوية، بل هو امتداد لسلسلة من التيسير النقدي بدأت في سبتمبر وأكتوبر، مما يؤكد أن ميزان المخاطر داخل المجلس يميل بوضوح بعيداً عن التضخم ولصالح النمو.
انقسام في الرؤى الاقتصادية
لا يعكس هذا التوجه إجماعاً داخلياً، بل يكشف عن انقسامات فلسفية عميقة داخل لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية حول كيفية الموازنة بين هدفيها الرئيسيين. ففي حين يضغط تيار من الأعضاء نحو مزيد من التيسير النقدي لحماية مكاسب التوظيف، يعبر صقور السياسة النقدية، مثل جيف شميد رئيس بنك كانساس سيتي، عن معارضتهم الصريحة، مدفوعين بقلق مشروع من أن التضخم لم يتم ترويضه بالكامل بعد. هذا الانقسام ليس مجرد خلاف عابر، إذ يتوقع أكثر من ثلث المحللين انضمام ألبرتو مسلّم، رئيس بنك سانت لويس، إلى صفوف المعارضين، مما يحول القرارات من إجماع تقليدي إلى حكم أغلبية متوتر. هل نشهد بداية حقبة جديدة من التصويت المنقسم بشكل دائم داخل الفيدرالي؟
ضبابية البيانات الاقتصادية
تتفاقم هذه الخلافات بسبب حالة من عدم اليقين تغذيها البيانات الاقتصادية المتضاربة، حيث ترسم كل مجموعة من الأرقام صورة مختلفة للواقع. على سبيل المثال، بينما أعلنت شركات عملاقة مثل “فيرايزون” و”أمازون” عن عمليات تسريح كبيرة، وهو ما يشير إلى تباطؤ وشيك، ظلت طلبات إعانة البطالة الأسبوعية عند مستويات منخفضة تاريخياً، مما يوحي بمرونة سوق العمل. يزيد من هذه الضبابية تأخر صدور تقرير التضخم من مكتب إحصاءات العمل بسبب الإغلاق الحكومي الأخير، مما يجبر صانعي السياسات على الاعتماد على بيانات سبتمبر التي أظهرت تسارعاً في مؤشر أسعار المستهلكين إلى 3%، وهو رقم قد لا يعكس الواقع الحالي. هذه الفجوة المعلوماتية تجعل من قرار الفائدة القادم رهاناً محسوباً أكثر من كونه استجابة لبيانات واضحة.
من سيقود المرحلة القادمة؟
تزامناً مع هذه التحديات التشغيلية، تلوح في الأفق معركة حول هوية من سيقود البنك المركزي بعد انتهاء ولاية جيروم باول في مايو المقبل. تشير التوقعات إلى أن كيفن هاسيت، مدير المجلس الاقتصادي الوطني، هو المرشح الأوفر حظاً لدى الإدارة الأمريكية، وهو اختيار يحمل دلالات سياسية واضحة. في المقابل، يفضل معظم الاقتصاديين الذين شملهم الاستطلاع كريستوفر والير، أحد محافظي الفيدرالي الحاليين، نظراً لخبرته المؤسسية العميقة وفهمه الدقيق لآليات عمل اللجنة. هذا التباين بين المرشح السياسي المفضل والمرشح ذي الخبرة الفنية يطرح سؤالاً جوهرياً حول مستقبل استقلالية البنك المركزي وقدرته على اتخاذ قرارات مبنية على التحليل الاقتصادي البحت بعيداً عن الضغوط السياسية.






