سعر اليورو مقابل الجنيه: تحليل استقرار العملة الأوروبية في السوق المصرية
من التقلبات الحادة إلى التوازن الهش، كيف تقرأ الأرقام الحالية لسعر صرف اليورو في مصر؟

بحجم تبادل تجاري تجاوز 31 مليار يورو سنويًا بين مصر والاتحاد الأوروبي، لا يمثل سعر صرف اليورو مجرد رقم على شاشات البنوك، بل هو مؤشر حيوي للاقتصاد المصري يعكس تكلفة استيراد الآلات والمواد الخام من جهة، وقيمة الصادرات المصرية المتجهة إلى أكبر شريك تجاري لها من جهة أخرى. الاستقرار الملحوظ الذي يشهده سعر الصرف اليوم، الجمعة 5 ديسمبر 2025، عند متوسط 55.5 جنيه مصري، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لسلسلة من الإجراءات الاقتصادية الجذرية التي أعادت رسم خريطة تدفقات النقد الأجنبي في البلاد.
توازن مكتسب بعد التعويم
إن الفجوة الضيقة بين سعر الشراء البالغ 55.48 جنيه وسعر البيع عند 55.64 جنيه في البنك المركزي المصري، تمثل شهادة على نجاح قرار تحرير سعر الصرف في مارس 2024 في القضاء شبه التام على السوق الموازية. قبل هذا التاريخ، كان السعر الرسمي مجرد رقم نظري، بينما كانت المعاملات الحقيقية تتم بأسعار أعلى بكثير، مما خلق تشوهاً عميقاً في آليات السوق وأضر بالاستثمار الأجنبي المباشر. الآن، نرى تقارباً شبه تام في الأسعار بين مختلف البنوك، حيث يعرض البنك الأهلي وبنك مصر السعر عند 55.38 للشراء، وهو فارق طفيف عن البنك التجاري الدولي الذي يقدم نفس سعر الشراء، مما يؤكد وجود سوق صرف بين البنوك (Interbank) يعمل بكفاءة عالية ويعكس العرض والطلب الحقيقيين.
فروقات سعرية محدودة.. ماذا تعني؟
الهامش السعري الضئيل بين الشراء والبيع، الذي لا يتجاوز في معظم البنوك 25 قرشاً، هو أحد أهم مؤشرات الثقة والسيولة في النظام المصرفي. في أوقات الأزمات، تتسع هذه الفروقات بشكل كبير كآلية تحوط من قبل البنوك ضد التقلبات العنيفة، لكن ضيقها الحالي يعني أن البنوك تشعر بارتياح تجاه استقرار السوق وقدرتها على تلبية احتياجات عملائها من العملة الصعبة دون مخاطر كبيرة. هذا الاستقرار يترجم مباشرة إلى انخفاض تكاليف التحويل للمستوردين والمصدرين، ويوفر بيئة أكثر قابلية للتنبؤ للتخطيط المالي طويل الأجل. أليس هذا هو الهدف الأساسي لأي سياسة نقدية ناجحة؟
التأثيرات الأوروبية والمحلية
لا يمكن فصل حركة اليورو محليًا عن سياقها العالمي، فالعملة الأوروبية الموحدة تتأثر بشكل مباشر بقرارات السياسة النقدية الصادرة عن البنك المركزي الأوروبي. أي تغيير في أسعار الفائدة في منطقة اليورو، كما توضح بيانات البنك المركزي الأوروبي، من شأنه أن يعيد تقييم قوة اليورو عالميًا، وبالتالي ينعكس على سعره مقابل الجنيه. على الصعيد المحلي، يعتمد استمرار هذا التوازن على قدرة الاقتصاد المصري على الحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي من مصادرها المتنوعة، كالسياحة وعائدات قناة السويس والاستثمار الأجنبي، والتي تشكل مجتمعة حائط الصد الذي يدعم قيمة الجنيه أمام سلة العملات الرئيسية.







