بريطانيا تكسر قواعد الاشتباك البحري: سلاح ليزر “دراغون فاير” لمواجهة حرب المسيّرات
لأول مرة في أوروبا.. ليزر "دراغون فاير" يدخل الخدمة لمواجهة تهديدات البحر الأحمر وأوكرانيا.

في خطوة تُعَدُّ تحولًا استراتيجيًا في عقيدة القتال البحري، أبرمت وزارة الدفاع البريطانية عقدًا مع شركة MBDA UK لتسليح مدمرتين من طراز Type 45 بمنظومة سلاح الطاقة الموجهة بالليزر “DragonFire”. هذا القرار لا يمثل مجرد صفقة تسليح جديدة، بل هو استجابة مباشرة ومُعجَّلة للدروس القاسية التي فرضتها حرب المسيّرات منخفضة التكلفة في البحر الأحمر ومسارح العمليات في أوكرانيا، والتي كشفت عن اختلال خطير في معادلة الكلفة بين الهجوم والدفاع.
يأتي العقد، الذي تبلغ قيمته 316 مليون جنيه إسترليني، كنتيجة حتمية لنجاح الاختبارات الأخيرة للنظام، والتي أثبتت قدرته على التعامل مع أهداف جوية تكتيكية. لكن الأهمية الحقيقية تكمن في السياق؛ فمنذ أواخر عام 2023، وجدت السفن الحربية الغربية، بما فيها المدمرة البريطانية HMS Diamond، نفسها مضطرة لإطلاق صواريخ دفاع جوي قد تصل تكلفة الواحد منها إلى ملايين الجنيهات لإسقاط طائرات مسيّرة لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف. هذا الاستنزاف الاقتصادي والعسكري هو ما وصفه وزير المشتريات الدفاعية، لوك بولارد، بأنه “الطبيعة المتغيرة للحرب”، حيث يمكن لخصم أقل تطورًا أن يُغرق دفاعات متقدمة عبر الكمية الهائلة من التهديدات الرخيصة.
منظومة “دراغون فاير” تُقدَّم كحلٍّ لهذا التحدي تحديدًا. فبدلاً من الاعتماد الكلي على الذخائر التقليدية، يوفر الليزر قدرة فتاكة بتكلفة تشغيلية زهيدة للغاية، ما يعيد التوازن لمعادلة الكلفة ويمنح قادة السفن خيارًا مستدامًا للتعامل مع أسراب المسيّرات أو التهديدات الأقل تعقيدًا. وبحسب بولارد، فإن هذا السلاح “لا يُغني عن الصواريخ، بل يُكملها”، مضيفًا طبقة دفاعية جديدة حيوية بين الصواريخ بعيدة المدى وأنظمة الدفاع القريب.
ثورة في معادلات القتال
يمثل إدخال “دراغون فاير” إلى الخدمة بحلول عام 2027، أي قبل الموعد المخطط له بخمس سنوات كاملة، دلالة واضحة على إدراك لندن لمدى إلحاح هذا التهديد. فالخطر لا يكمن فقط في استنزاف مخزون الصواريخ باهظة الثمن، بل في ترك السفينة الحربية عُرضة لتهديدات أكثر خطورة بعد نفاد قدراتها الدفاعية الأساسية. هذه القدرة الجديدة ستضع البحرية الملكية في طليعة الابتكار داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كونها أول دولة أوروبية تُدخِل سلاح ليزر عالي الطاقة إلى الخدمة الفعلية.
بدأ تطوير البرنامج في 2017، وشهد سلسلة من التجارب المتدرجة، وصولًا إلى الاختبارات الأخيرة في ميدان هبريدز البريطاني، حيث نجح النظام في تتبع وإسقاط أهداف جوية سريعة في سيناريوهات تحاكي الواقع العملياتي. هذه التجارب لم تكن مجرد عروض تقنية، بل كانت برهانًا على نضج التكنولوجيا وقابليتها للنشر الميداني السريع.
تحديات التصنيع والتكامل
التحدي الآن ينتقل من ميادين الاختبار إلى ورش التصنيع والتكامل. ووفقًا لجوليا وارن، كبيرة مهندسي شركة MBDA، فإن الوحدات التي ستُركَّب على المدمرات ستكون نسخًا مُعدَّلة ومُحسَّنة خصيصًا للبيئة البحرية القاسية. أحد أبرز التعديلات هو تقليص حجم المنظومة بشكل كبير، من مساحة تعادل حاوية شحن بطول 40 قدمًا إلى نصف ذلك الحجم تقريبًا، لتسهيل دمجها على متن السفن المزدحمة بالمعدات أصلًا.
الجهود لا تقتصر على الجانب المادي، بل تمتد لتعزيز الأتمتة بحيث يمكن لفرد واحد فقط التحكم بالمنظومة بأكملها من داخل غرفة عمليات السفينة المكتظة. وأوضحت وارن أن الهدف هو دمج “دراغون فاير” بسلاسة ضمن نظام إدارة المعارك الحالي، بحيث تكون إجراءات استخدامه مألوفة للطواقم البحرية المعتادة على التعامل مع الصواريخ والمدافع. إنه سلاح جديد، لكن يجب أن يبدو وكأنه جزء طبيعي من ترسانة السفينة، وليس إضافة معقدة. ومع التزام الحكومة بتجهيز سفينتين إضافيتين مستقبلًا، يبدو أن عصر حرب الليزر قد بدأ بالفعل في البحار.









