فن

فيلم ‘كلب ساكن’: عندما تتحدث السينما بصمت في مهرجان القاهرة

قصة زوجين و'كلب ساكن'.. الفيلم اللبناني الذي أثار هدوء القاهرة السينمائي.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في المسرح الصغير بدار الأوبرا، حيث الهمسات أعلى من الصخب، عُرض الفيلم اللبناني “كلب ساكن” لأول مرة عربيًا ضمن مسابقة آفاق السينما العربية. العمل الذي أخرجته سارة فرنسيس لا يقدم دراما صاخبة، بل ينسج بهدوء شديد خيوط علاقة زوجية اهترأت بفعل الزمن والمسافات، ليطرح سؤالًا بسيطًا ومؤلمًا في آنٍ واحد: ماذا يتبقى من الحب بعد أن يغيب كل شيء؟

أسئلة مؤجلة

تدور أحداث الفيلم حول وليد وعايدة، زوجان يلتقيان مجددًا بعد فراق طويل. لا توجد أحداث كبرى أو مفاجآت مدوية، بل مجرد مواجهة هادئة بين شخصين تراكمت بينهما الأسئلة الصامتة. الكاميرا، التي أدارها مارك خليفة بحساسية، تكاد تكون شخصية ثالثة في الحوار، ترصد نظرات العين وتعبيرات الوجه التي تقول ما لم يقله اللسان. إنها سينما التفاصيل الصغيرة التي تكشف الشروخ الكبيرة.

رحلة صناعة

هذا الهدوء الذي يغلف الشاشة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج رحلة صناعة طويلة ومُتأنية. تكشف المخرجة سارة فرنسيس أن النسخة الأولى من السيناريو كُتبت عام 2017، لتمر بمراحل تطوير متعددة حتى بدأ التصوير في 2022. خمس سنوات من التحضير، كما تقول، كانت ضرورية لاختبار “تجربة اكتشاف شخصين يحبان بعضهما، ثم ينكسر التواصل بينهما فجأة”. هذا الصبر في الصناعة يعكس بوضوح عمق التجربة الإنسانية التي يناقشها فيلم كلب ساكن.

فتور واقعي

بحسب محللين، تكمن قوة الفيلم في واقعيته الشديدة وابتعاده عن الميلودراما. فالعلاقات، في كثير من الأحيان، لا تنتهي بسبب “خيانة عظمى أو سبب رهيب”، كما تشير فرنسيس، بل تتلاشى تدريجيًا في حلقة من الفتور يكتشفها الطرفان بعد فوات الأوان. وهنا يطرح الفيلم سؤاله الجوهري: هل يصل هذا الفتور بالعلاقة إلى طريق اللاعودة؟ الإجابة، كما يبدو، متروكة للمشاهد ليفكر فيها طويلًا بعد انتهاء العرض.

إنتاج عربي مشترك

لم تكن رحلة الإنتاج سهلة، خاصة مع تصوير الفيلم في ثلاثة أسابيع فقط بسبب الأوضاع في لبنان. لكن اللافت هو اعتماده على تمويل عربي متعدد المصادر، من بينها مؤسسة الدوحة للأفلام ومؤسسة البحر الأحمر. هذا النموذج الإنتاجي يعكس توجهًا متزايدًا في المنطقة لدعم السينما المستقلة والجادة، تلك التي تراهن على القصة الإنسانية العميقة بدلاً من الإبهار التجاري السطحي.

ما بعد المهرجانات

لا يبدو أن المخرجة سارة فرنسيس تهتم كثيرًا بالجوائز. تقول بوضوح: “لا أصنع أفلامي لتشارك في مهرجانات أو ليشاهدها فئة محددة”. هذا الموقف، الذي قد يبدو غريبًا في عالم المهرجانات، يمنح العمل مصداقية إضافية. فالفيلم، الذي بدأ رحلته من مهرجان روتردام الدولي، ليس مجرد سلعة للمنافسة، بل هو محاولة فنية للإجابة على أسئلة شخصية، وهو ما يجعله، ربما، أكثر صدقًا وتأثيرًا.

في النهاية، يترك “كلب ساكن” أثرًا عميقًا يشبه أثر قصيدة هادئة. إنه فيلم لا يصرخ، بل يهمس في أذن المشاهد بحقيقة قد تكون مرة: أحيانًا، يكون الصمت هو النهاية الأكثر بلاغة. ومع عرضه في مهرجان القاهرة السينمائي، يؤكد العمل أن السينما العربية قادرة على تقديم أعمال ناضجة تتأمل في جوهر العلاقات الإنسانية بتعقيداتها وصمتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *