اقتصاد

صناعة الساعات السويسرية: انفراجة بعد تخفيف الرسوم الأميركية

تخفيف الرسوم الجمركية يعيد الأمل لقطاع الساعات السويسرية بعد أشهر من الضغوط

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

بعد أشهر من الترقب والضغوط الاقتصادية، شهدت صناعة الساعات السويسرية لحظة انفراج حقيقية مع إعلان الولايات المتحدة تخفيض رسومها الجمركية المفروضة على الواردات السويسرية. هذا القرار، الذي جاء ليقلص الرسوم من 39% إلى 15%، أثار ارتياحًا واسعًا في قطاع عانى بشدة، وبدا أن الارتياح عميقًا بعد فترة عصيبة كادت تعصف بالعديد من الشركات، الصغيرة منها والكبيرة.

ضغط الرسوم

كانت شركة “غروفانا” (Grovana) للساعات مثالًا حيًا على هذا الضغط، حيث استغرقت ثلاثة أشهر كاملة لإعادة شحن صادراتها إلى السوق الأميركية بعد فرض الرئيس السابق دونالد ترمب رسومًا جمركية قاسية. اضطر مالكو الشركة إلى تقدير الخسائر المحتملة وإعادة التفاوض على الأسعار مع الموزعين، في عملية مرهقة تعكس حجم التحدي الذي واجهته الشركات السويسرية في محاولة للحفاظ على موطئ قدم لها في سوق حيوي.

انتعاش مؤقت

جاء قرار التخفيض في توقيت حاسم، فصادرات الساعات السويسرية إلى الولايات المتحدة كانت قد هوت بنسبة 56% في سبتمبر الماضي، ما دفع الشركات إلى خفض التكاليف وتسريح العمال أو وضعهم في إجازات إجبارية. هذا التراجع الحاد لم يكن مجرد رقم في تقرير، بل كان يعني أن “ضجيج الورش المعتاد يختفي في بعض الأيام”، كما وصف سكان مدينة لا شو دو فون، أحد معاقل صناعة الساعات، الوضع الذي يعكس أثر الأزمة على حياة الناس اليومية.

تحديات متراكمة

لم تكن الرسوم الجمركية هي التحدي الوحيد الذي واجهته الصناعة. فالوضع كان معقدًا بالفعل بسبب تباطؤ الطلب من السوق الصينية، وارتفاع أسعار المواد الخام، وعلى رأسها الذهب الذي سجل مستويات قياسية الشهر الماضي، مع توقعات بمواصلة صعوده إلى 5000 دولار للأونصة بحسب تقديرات “جيه بي مورغان برايفت بنك”. يضاف إلى ذلك، قوة الفرنك السويسري الذي ارتفع بنحو 14% أمام الدولار هذا العام، مما قلص القدرة الشرائية للعملة الأميركية وجعل المنتجات السويسرية أكثر تكلفة.

استراتيجيات الصمود

في مواجهة هذه الضغوط، لجأت الشركات والحكومة إلى استراتيجيات متعددة. فقد سارعت شركات الساعات إلى “التحميل المسبق” للشحنات قبل بدء تطبيق الرسوم، مما أدى إلى تراجع حاد في الطلب لاحقًا على بعض الطرازات. كما مددت الحكومة السويسرية فترة صرف الإعانات للعاملين الموضوعين في إجازات إجبارية، وهو برنامج وصفه بيبر ألان بيريه، رئيس غرفة التجارة والصناعة في كانتون جورا، بأنه “جرعة أوكسجين” سمحت للشركات بالاحتفاظ بكوادرها الماهرة التي تراكمت خبراتها عبر عقود.

تدخل الكبار

لم يقتصر الأمر على الإجراءات الحكومية، بل تدخلت نخبة من كبار رجال الأعمال السويسريين بشكل مباشر. كان جان فريدريك دوفور، رئيس شركة “رولكس” (Rolex)، ضمن مجموعة صغيرة من التنفيذيين الذين التقوا الرئيس ترمب في المكتب البيضاوي، وهو اجتماع يُرجّح مراقبون أنه أعطى دفعة قوية للمفاوضات التجارية. هذه اللقاءات رفيعة المستوى تؤكد الأهمية الاستراتيجية لصناعة الساعات بالنسبة للاقتصاد السويسري، وضرورة حمايتها من التقلبات التجارية.

استحواذات داعمة

في خطوة تعكس التكاتف داخل القطاع، استثمرت بعض الشركات الكبرى في شركات تصنيع الساعات الصغيرة، ضخًا لسيولة ضرورية للموردين الأساسيين. فـ”أوديمار بيغيه” (Audemars Piguet) استحوذت على حصة أغلبية في “إنهوتيك” (Inhotec)، بينما اشترت مجموعة “إل في إم إتش” (LVMH) حصة أقلية في “لا جو بيريه” (La Joux-Perret)، التي تتعاون بشكل وثيق مع علاماتها التجارية. هذه الاستحواذات لا تضمن استمرارية سلاسل الإمداد فحسب، بل تعكس أيضًا رؤية استشرافية للحفاظ على الخبرات المتخصصة.

آفاق المستقبل

على الرغم من الارتياح الذي جلبه تخفيف الرسوم، يرى البعض أن الطريق لا يزال طويلًا. يقول باتريك هوفمان، رئيس شركة “فافر لوبا” (Favre Leuba)، إن “الرسوم الجمركية المخفضة تمثل انفراجًا مهمًا وضروريًا، لكني لا أزال لا أرى بصيص أمل كامل”. ويشير هوفمان إلى مشكلات أخرى مثل تباطؤ الطلب في الصين وهونغ كونغ، حيث لا تزال أرقام الصادرات أقل بأكثر من 30% مقارنة بما كانت عليه قبل عامين، مما يلقي بظلاله على التعافي الكامل للقطاع. إنها معركة مستمرة، ولا يمكن للمرء إلا أن يتساءل عن مدى سرعة تعافي هذا القطاع العريق.

في الختام، يمثل قرار تخفيف الرسوم الأميركية نقطة تحول إيجابية لصناعة الساعات السويسرية، مقدمًا لها فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أشهر من التحديات المتلاحقة. ومع ذلك، فإن التعافي الكامل يتطلب معالجة شاملة للعديد من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية الأخرى التي لا تزال تؤثر على هذا القطاع الحيوي، الذي يرمز للدقة والفخامة السويسرية حول العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *