
عادت أسعار النفط لتتنفس الصعداء، ولو بشكل طفيف، بعد هبوط حاد أثار قلق المتعاملين. يبدو أن السوق الآن في حالة شد وجذب، عالق بين تقارير تتحدث عن فائض قياسي في المعروض يلوح في الأفق، وبين مخاطر جيوسياسية حقيقية ناجمة عن العقوبات الأميركية على روسيا. إنها معادلة معقدة، تجعل التنبؤ بالاتجاه القادم أشبه بقراءة الفنجان.
فائض تاريخي
جاءت التحذيرات متتالية وقوية. وكالة الطاقة الدولية، في تقريرها الأخير، لم تتردد في رسم صورة قاتمة للتوقعات، مشيرة إلى أن المعروض قد يتجاوز الطلب بأكثر من أربعة ملايين برميل يوميًا العام المقبل. وقبلها بيوم، كانت منظمة “أوبك” قد أكدت الرواية ذاتها، معلنة أن السوق دخل بالفعل مرحلة الفائض في الربع الثالث من العام، وهو ما يضع ضغوطًا هائلة على الأسعار.
عقوبات أمريكية
على الجانب الآخر من المعادلة، تلوح واشنطن بسيف العقوبات. تحركت إدارة ترمب لتضييق الخناق على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، مستهدفة شركات عملاقة مثل “روسنفت” و”لوك أويل”. هذه الخطوة ليست مجرد تصريحات سياسية، بل بدأت تترجم على الأرض، حيث بدأت شركة تابعة لـ”لوك أويل” في تسريح موظفين، في مؤشر واضح على أن التأثير بدأ قبل حتى سريان العقوبات بالكامل.
بيانات متضاربة
في الولايات المتحدة، بدت الأرقام الرسمية كأنها تزيد المشهد تعقيدًا. أظهر تقرير حكومي ارتفاع مخزونات الخام بـ6.4 مليون برميل، وهو رقم ضخم فاق كل التوقعات وكان من شأنه أن يدفع الأسعار لمزيد من الهبوط. لكن، وفي مفارقة لافتة، تراجعت مخزونات المنتجات المكررة وارتفعت الصادرات، وهو مؤشر على قوة الاستهلاك محليًا وخارجيًا، لكنه لم يكن كافيًا لتبديد المخاوف الكلية.
تساؤلات السوق
يُجمع المراقبون على أن السؤال المحوري الآن هو: هل سيتمكن الطلب العالمي من استيعاب هذا الفائض المتوقع؟ مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لـ”شيفرون”، لخص الموقف بقوله لتلفزيون بلومبرغ: “هناك فترة سيبدو فيها أننا سنشهد مزيدًا من الإمدادات تدخل السوق أكثر مما سيتمكن الطلب من امتصاصه”. وفي المقابل، ترى توريل بوسوني من وكالة الطاقة الدولية أن “هناك مخاطر واضحة على الإمدادات” بسبب العقوبات، مما يضيف طبقة من عدم اليقين. المشهد يبدو ضبابيًا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
مشهد معقد
في الختام، تجد أسعار النفط نفسها في قلب عاصفة متكاملة الأركان. فمن ناحية، هناك أساسيات السوق التي تشير إلى وفرة في المعروض قد تستمر لأشهر، حتى مع تعهد تحالف “أوبك+” بوقف زيادة الإنتاج مؤقتًا. ومن ناحية أخرى، تظل التوترات الجيوسياسية، خاصة بين واشنطن وموسكو، ورقة “جوكر” قادرة على خلط الأوراق في أي لحظة، مما يبقي الأسواق في حالة ترقب حذر لما هو قادم.









