نيبال: حصاد الاحتجاجات.. اعتقالات واسعة
نيبال: ما بعد الإطاحة بالحكومة.. ملاحقات قضائية تطال المئات

في خطوة تعكس استمرار تداعيات الأحداث السياسية العاصفة التي شهدتها نيبال في سبتمبر الماضي، أعلنت الشرطة النيبالية عن اعتقال 423 شخصًا. هذه الاعتقالات تأتي على خلفية اتهامات متعددة تتراوح بين القتل والتخريب، في سياق احتجاجات ضخمة أدت إلى تغييرات سياسية جذرية في البلاد. يبدو أن السلطات عازمة على إغلاق هذا الملف، لكن السؤال يبقى: هل يمكن للعدالة وحدها أن تداوي جراح مجتمع شهد هذا القدر من الاضطراب؟
حملة واسعة
تُشير البيانات الصادرة عن الشرطة إلى أن الموقوفين يواجهون قائمة طويلة من التهم، لا تقتصر على الجرائم الكبرى كـالقتل والتخريب، بل تمتد لتشمل حيازة الأسلحة بشكل غير قانوني، والسرقة، وارتكاب أفعال وصفت بـ”المشينة”. هذه التفاصيل، التي نقلتها شبكة “تشانيل نيوز آشيا”، تُلقي الضوء على الطبيعة المعقدة والمتقلبة لتلك الاحتجاجات، التي لم تكن مجرد تعبير سلمي عن الرأي.
تحقيقات مستمرة
من جانبه، أكد المتحدث باسم شرطة نيبال، آبي نارايان كافلي، أن فريقًا متخصصًا يُجري تحقيقات معمقة في الحوادث، مشيرًا إلى أن العمل جارٍ على جمع المعلومات اللازمة. هذا التصريح، وإن كان روتينيًا، إلا أنه يُبرز حجم الجهد الأمني المبذول في تتبع خيوط الأحداث، ويُرجّح مراقبون أن تستمر هذه التحقيقات لبعض الوقت، ربما لكشف أبعاد أخرى لم تكن واضحة للعلن بعد.
جذور الأزمة
لم تكن احتجاجات سبتمبر مجرد شرارة عابرة، بل كانت تتويجًا لغضب شعبي متراكم. اندلعت التظاهرات العنيفة في الثامن من سبتمبر، مدفوعة بمشاعر قوية مناهضة للفساد، وقادها بشكل لافت “جيل زد”، الذي وجد في منصات التواصل الاجتماعي متنفسًا للتعبير عن سخطه. قرار الحكومة بحظر عدد من هذه المنصات كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وحوّل الاحتجاجات إلى مواجهة مباشرة.
تغيير سياسي
كانت تداعيات تلك الاحتجاجات وخيمة، حيث أسفرت عن مقتل 76 شخصًا على الأقل، وهو رقم يُدمي القلب ويُشير إلى مستوى العنف الذي بلغته الأحداث. الأهم من ذلك، أنها أدت إلى إقصاء رئيس الوزراء السابق كي بي شارما أولي عن السلطة، وتعيين سوشيلا كاركي رئيسة للحكومة المؤقتة. هذا التغيير المفاجئ يُعد نقطة تحول في المشهد السياسي النيبالي، ويُمهد الطريق لإجراء انتخابات حاسمة في مارس 2026، والتي ستحدد ملامح المستقبل السياسي للبلاد.
دلالات الاعتقالات
تُشير حملة الاعتقالات الواسعة هذه إلى رغبة السلطات النيبالية في فرض سيادة القانون بعد فترة من الفوضى، لكنها في الوقت ذاته تُثير تساؤلات حول مدى حرية التعبير والتجمع السلمي في البلاد. بحسب محللين سياسيين، قد تُرسل هذه الإجراءات رسالة مزدوجة: من جهة، تأكيد على قوة الدولة، ومن جهة أخرى، قد تُشعل فتيل الغضب مجددًا لدى شرائح معينة من الشباب الذين يرون في هذه الاعتقالات محاولة لقمع الأصوات المعارضة. الأمر لا يتعلق فقط بالعدالة الجنائية، بل بكيفية بناء الثقة في مرحلة انتقالية حساسة.
في الختام، تُعد هذه الاعتقالات فصلًا جديدًا في قصة نيبال المضطربة، حيث تتصارع رغبة الدولة في استعادة النظام مع تطلعات الشباب للتغيير. بينما تستعد البلاد لانتخابات 2026، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية معالجة الجذور العميقة للاحتجاجات، وضمان أن تكون الملاحقات القضائية عادلة وشفافة، حتى لا تتحول إلى وقود جديد لأزمات مستقبلية. فالمستقبل، كما نراه، يتوقف على التوازن الدقيق بين الأمن والحريات.









