اقتصاد

سباق اقتصادي جديد.. كيف تعيد 18 صناعة تشكيل العالم وتضع الدول النامية أمام اختبار مصيري؟

تقرير دولي يكشف خريطة النمو المستقبلية: من الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء.. فرصة تاريخية أم فجوة جديدة؟

في تحول يعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، كشف تقرير دولي حديث، سلط عليه الضوء مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عن بزوغ 18 من الصناعات الجديدة التي تقود موجة تغيير جذري، وتضع الدول النامية أمام مفترق طرق حاسم بين اللحاق بالركب أو التخلف عن سباق المستقبل.

خريطة النمو الجديدة

يحدد التقرير، الصادر عن منظمة بروجيكت سنديكيت، قطاعات ديناميكية ستعيد تشكيل المشهد الاقتصادي خلال الخمسة عشر عامًا القادمة. تشمل هذه الخريطة مجالات رقمية مثل التجارة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وتقنيات متقدمة كالمركبات الكهربائية وأشباه الموصلات، وصولًا إلى قطاعات ناشئة كالتكنولوجيا الحيوية والفضاء، وابتكارات مثل البناء المعياري وأدوية السمنة.

من المتوقع أن تقفز الحصة المجمعة لهذه القطاعات من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نحو 16% بحلول عام 2040، أي ما يعادل أربعة أضعاف مساهمتها الحالية. هذا النمو لا يمثل مجرد أرقام، بل يترجم إلى تحسينات ملموسة في الإنتاجية ومستويات المعيشة، حيث تساهم المركبات ذاتية القيادة في خفض الحوادث، ويتيح البناء المعياري توفير مساكن عالية الجودة بتكلفة أقل.

فرصة تاريخية أم فجوة أوسع؟

رغم أن الشركات الرائدة في هذه المجالات تتركز حاليًا في الولايات المتحدة وأوروبا والصين، فإن تأثيرها يمتد عالميًا، فاتحًا نافذة فرص فريدة للاقتصادات النامية. فمع غياب البنى التحتية القديمة، تستطيع هذه الدول القفز مباشرة إلى التقنيات الحديثة، تمامًا كما تخطت الهواتف الأرضية إلى المحمولة، ومنها إلى الخدمات المصرفية الرقمية.

وتقدم الهند نموذجًا ملهمًا في هذا السياق، حيث قفزت إيرادات تجارتها الإلكترونية من 3.9 مليارات دولار في 2009 إلى 200 مليار دولار هذا العام. كما برزت بفضل رأسمالها البشري الغني في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، ونجحت في تحقيق ابتكارات منخفضة التكلفة، مثل إطلاق مركبة فضائية إلى المريخ بتكلفة زهيدة، مما يؤهلها للمنافسة في تسعة من هذه القطاعات الحيوية.

ما يطرحه هذا التحول ليس مجرد فرصة اقتصادية، بل هو تغيير جذري في فلسفة النمو نفسها. لعقود، اعتمدت الدول النامية على مسار التصنيع منخفض التكلفة كبوابة للارتقاء في سلاسل القيمة العالمية. لكن اليوم، أصبحت التكنولوجيا هي المحرك الأساسي، مما يعني أن رأس المال البشري المؤهل لم يعد ترفًا للمراحل المتقدمة، بل شرطًا لا غنى عنه منذ البداية للانخراط في سباق الصناعات الجديدة.

خارطة طريق للمستقبل

مع ذلك، لا تزال غالبية الدول النامية غير مستعدة لهذا المستقبل، ويحدد التقرير ثلاث أولويات أساسية لتعزيز جاهزيتها. تتمثل الأولوية الأولى في خلق بيئة أعمال داعمة عبر سياسات تنظيمية مرنة تشجع على الابتكار. أما الأولوية الثانية فتتركز في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة مع هيمنة الشركات الكبرى على هذه القطاعات وسعيها للتوسع في أسواق جديدة.

لكن الأولوية الثالثة والأهم تبقى هي الاستثمار في البشر. ففي اقتصاد القرن الحادي والعشرين القائم على المعرفة، أصبح التعليم والتدريب المتقدم شرطًا أساسيًا للنمو. الدول التي تنجح في تنمية قوى عاملة منتجة ومؤهلة ستكون الأقدر على تحقيق ازدهار مستدام، بينما تواجه تلك التي تفشل خطر التراجع واتساع الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة.

في ختام المطاف، ومع اشتداد المنافسة العالمية، يبدو واضحًا أن محرك النمو قد تغير. وبينما قد تظهر صناعات جديدة أخرى لم تكن في الحسبان، كما حدث مع الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن الرسالة تظل واحدة: المستقبل يُصنع اليوم، والدول التي لا تستثمر في بيئتها وبشرها لمواكبة هذا التحول، تخاطر بأن تجد نفسها متفرجة في اقتصاد لا يرحم المتأخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *