اتفاق تجاري أمريكي ماليزي يغير موازين القوى في آسيا
ترمب وأنور إبراهيم يوقعان اتفاقاً تاريخياً للتجارة والمعادن النادرة.. ما أبعاد المواجهة مع الصين؟

في خطوة تعكس ديناميكيات التحالفات الجديدة في منطقة جنوب شرق آسيا، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم اتفاقاً مزدوجاً يشمل التجارة والمعادن الحيوية. يأتي هذا الاتفاق التجاري الأمريكي الماليزي في سياق مساعي واشنطن لتعميق علاقاتها الاقتصادية في المنطقة، وفي الوقت نفسه، بناء جبهة لمواجهة القيود التي تفرضها الصين على صادرات المعادن الأرضية النادرة.
خلال مراسم التوقيع في العاصمة كوالالمبور، أوضح الممثل التجاري للولايات المتحدة، جيميسون غرير، أن الاتفاقية تهدف إلى “زيادة حجم التجارة بشكل كبير”، حيث ستعمل ماليزيا على تعديل رسومها الجمركية وإزالة الحواجز غير الجمركية. وأشار غرير إلى أن قطاعات حيوية مثل الزراعة والتكنولوجيا والخدمات ستكون المستفيد الأكبر من هذه الشراكة الجديدة.
أما فيما يتعلق باتفاق المعادن النادرة، فقد شدد غرير على أنه يهدف إلى ضمان أن تكون حركة الاستثمار والتجارة في هذا القطاع الاستراتيجي “حرة قدر الإمكان وقادرة على الصمود”. هذا التصريح يحمل في طياته رسالة واضحة حول رغبة الولايات المتحدة في تأمين سلاسل إمداد بديلة بعيداً عن هيمنة بكين على هذا السوق الحيوي للصناعات التكنولوجية المتقدمة.
أبعاد استراتيجية تتجاوز التجارة
من جانبه، وصف رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم الاتفاق بأنه “محطة مهمة”، مؤكداً أنه سيرتقي بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أعمق يتجاوز مجرد التبادلات التجارية. هذا التوصيف يعكس إدراك كوالالمبور للأهمية الاستراتيجية للتقارب مع واشنطن في ظل التجاذبات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة.
ويشير هذا التحرك إلى نمط واضح في سياسة ترمب الخارجية خلال ولايته الثانية، حيث أصبحت الرسوم الجمركية والاتفاقيات التجارية أدوات رئيسية ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية، بل أيضاً لإعادة تشكيل الخريطة السياسية. ووفقاً لدان كريتنبرينك، المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي، فإن “الاتفاق التجاري مع ماليزيا سيُستخدم على الأرجح لممارسة الضغط على دول أخرى في المنطقة لإبرام اتفاقات مماثلة”.
تحركات موازية ورسائل لبكين
لم تكن ماليزيا وحدها على أجندة ترمب؛ ففي اليوم نفسه، شهد الرئيس الأمريكي توقيع اتفاق بين تايلاند وكمبوديا لخفض التصعيد بعد مواجهات حدودية دامية. وتأتي هذه الوساطة بعد تهديدات أطلقها ترمب بإلغاء اتفاقات تجارية مع البلدين، مما يبرز استخدامه للورقة الاقتصادية كأداة ضغط فعالة. كما أعلن ترمب عن اتفاق تجاري واسع مع كمبوديا وآخر للمعادن النادرة مع تايلاند.
تأتي هذه الصفقات ضمن جولة آسيوية يقوم بها دونالد ترمب تشمل أيضاً اليابان وكوريا الجنوبية، ومن المتوقع أن تتوج بلقاء مرتقب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وفي دلالة على أهمية المحادثات، كان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت يجري في كوالالمبور محادثات موازية مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، في إطار التحضير لقمة القادة.
تداعيات اقتصادية مباشرة
على الصعيد الاقتصادي المباشر، من شأن الاتفاق أن يخفف من قلق المصدرين الماليزيين تجاه السوق الأمريكية، خاصة بعد أن فرض ترمب رسوماً بنسبة 19% على وارداتهم في أغسطس. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 87 مليار دولار العام الماضي، مع تسجيل الولايات المتحدة عجزاً تجارياً في السلع بقيمة 25 مليار دولار، وفائضاً في الخدمات بقيمة 1.7 مليار دولار.
وتسعى ماليزيا منذ فترة للحصول على شروط تجارية أفضل، حيث تتفاوض حالياً لإعفاء صادرات الرقائق الإلكترونية من الرسوم الأمريكية، خاصة وأن الولايات المتحدة هي ثالث أكبر سوق لها. وتعهدت كوالالمبور في المقابل بالتصدي لعمليات تهريب أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين، وهو ما يتماشى مع الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في حرب الرقائق العالمية. يأتي ذلك في وقت سجل فيه اقتصاد ماليزيا نمواً قوياً، لكن الحكومة تتوقع تباطؤاً طفيفاً العام المقبل.







