نزاع جهينة وبلدنا: الرقابة المالية ترفض إقصاء المساهمين المنافسين
الرقابة المالية تحسم الجدل: كيف أنقذ قرار الهيئة حقوق "بلدنا" القطرية في مجلس إدارة جهينة؟

في خطوة تعيد رسم قواعد المنافسة والحوكمة في سوق المال المصري، أوقفت الهيئة العامة للرقابة المالية قرارًا لمساهمي شركة “جهينة للصناعات الغذائية” كان يهدف لمنع المنافسين من دخول مجلس إدارتها. القرار يضع شركة “بلدنا” القطرية، أحد كبار المساهمين، في قلب مواجهة إدارية وقانونية قد تحدد ملامح الاستثمار الأجنبي في قطاع الأغذية المصري.
بدأت القصة في أغسطس الماضي، حين وافق مساهمو “جهينة”، عملاق الألبان والعصائر في مصر، على تعديل المادة (22) من نظامها الأساسي. التعديل أضاف شرطين يمنعان أي مرشح يمثل شركة منافسة، أو يملك حصة فيها، من الترشح لعضوية مجلس الإدارة، وهو ما فُسّر على أنه إجراء يستهدف بشكل مباشر شركة “بلدنا” التي رفعت حصتها باطراد منذ دخولها كمساهم في 2022.
مبادئ الحوكمة في مواجهة حماية المصالح
جاء تدخل الهيئة العامة للرقابة المالية حاسمًا، حيث اعتبرت أن هذا التعديل يمثل إخلالًا جوهريًا بمبدأ المساواة بين المساهمين. وأوضحت الهيئة أن حرمان فئة من المساهمين من حقهم في الترشح لمجرد كونهم منافسين، يقوّض حقوق المساهمين ويسمح لكتلة مسيطرة بالهيمنة على قرارات الشركة، مما يضر بتوازن هيكل الحوكمة ويمثل خروجًا على قواعد القيد في البورصة المصرية.
هذا القرار لا يقتصر على كونه تنظيمياً فحسب، بل يبعث برسالة قوية حول مناخ الاستثمار الأجنبي في مصر. ففي وقت تسعى فيه الدولة لجذب رؤوس الأموال الخارجية، يؤكد تدخل الرقابة المالية على وجود إطار تشريعي يحمي حقوق جميع المستثمرين، بما فيهم الأقليات، ويضمن تطبيق معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة، وهو ما يعزز الثقة في السوق المحلي.
“جهينة” تدافع و”بلدنا” تترقب
من جانبها، بررت “جهينة” موقفها، وفقًا لوثيقة اطلعت عليها “الشرق”، بأن التعديل لم يكن يستهدف شركة بعينها، بل كان إجراءً احترازيًا لحماية مصالح الشركة وأسرارها من أي تعارض مصالح محتمل. وأكدت الشركة أن من حق المساهمين وضع الضوابط التي تحمي استثماراتهم، إلا أنها امتنعت عن التعليق الرسمي على قرار الهيئة، وكذلك فعلت شركة “بلدنا” التي تواصل توسعها الإقليمي الطموح.
قراءة قانونية للمعركة الإدارية
يرى خبراء قانونيون أن قرار الرقابة المالية يتسق تمامًا مع نصوص قانون الشركات وقانون سوق المال. وأوضح محمد رشوان، المحامي بالنقض، أن تعديل اللائحة بعد زيادة “بلدنا” لحصتها يُعد “تحايلًا على القانون” ويضر بثقة المستثمرين. فيما أكد عوض الترساوي، نائب رئيس “الجمعية المصرية للاستثمار والتمويل”، أن القانون كفل آليات واضحة للتعامل مع تعارض المصالح، تلزم عضو المجلس بالإفصاح والامتناع عن التصويت، دون الحاجة إلى حرمانه من حقه الأصيل في الترشح.
أمام “جهينة” الآن مسار قانوني واضح، يبدأ بالتظلم من قرار الهيئة، وإن رُفض، يمكنها اللجوء إلى محكمة القضاء الإداري. لكن المعركة الحالية تتجاوز الغرف المغلقة، لتطرح أسئلة أعمق حول التوازن بين حماية الشركات الوطنية وتشجيع المنافسة الصحية التي يجلبها الاستثمار الأجنبي.
خريطة الملكية وطموحات التوسع
تعكس خريطة ملكية “جهينة” الحالية ميزان القوى الدقيق في هذا النزاع، حيث تمتلك “بلدنا” القطرية حاليًا نحو 16.25% من الأسهم، بينما تسيطر شركة “فرعون للاستثمار” (Pharon Investment Limited) على حصة حاكمة تبلغ حوالي 50%. هذا الصراع على مقعد في مجلس الإدارة هو في جوهره صراع على رؤية الشركة المستقبلية وتوجهاتها الاستراتيجية في سوق إقليمي شديد التنافسية.








