صندوق النقد: اقتصادات الخليج تتحدى الصدمات العالمية بفضل التنويع
جهاد أزعور يشيد بمرونة اقتصادات الشرق الأوسط ويرفع توقعات النمو لدول الخليج وسط تحذيرات من استمرار حالة عدم اليقين

أشاد صندوق النقد الدولي بالصلابة الملحوظة التي أبدتها اقتصادات منطقة الشرق الأوسط، خاصة اقتصادات الخليج، في مواجهة سلسلة من الصدمات العالمية المتتالية. وفي شهادة تعكس نجاحًا نسبيًا لخطط التحول الاقتصادي، رفع الصندوق توقعاته للنمو في المنطقة، مع تحذير من أن استمرار حالة عدم اليقين عالميًا يتطلب يقظة وتكيفًا مستمرين.
هذه المرونة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتاج مباشر لسياسات هيكلية عميقة بدأت تغير وجه اقتصادات كانت تعتمد بشكل شبه كلي على النفط. فالتحولات التجارية العالمية، والتوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسعار النفط، شكلت اختبارًا حقيقيًا أثبتت فيه هذه الاقتصادات قدرة متزايدة على امتصاص الصدمات، مما يشير إلى أن رهان التنويع بدأ يؤتي ثماره فعليًا على أرض الواقع.
مصادر القوة الاقتصادية
أوضح جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، أن أسباب هذه المرونة متعددة المصادر. ففي دول الخليج، يعود الفضل بشكل أساسي إلى سياسات التنويع الاقتصادي التي تم تطبيقها بقوة في السنوات الأخيرة، حيث نجحت القطاعات غير النفطية في تعويض أي تراجع في القطاع النفطي، وتمكنت من تجاوز انخفاض الأسعار عبر زيادة مستويات الإنتاج.
أما في الدول الأخرى بالمنطقة، فقد لعبت قطاعات حيوية دورًا محوريًا في دعم الاستقرار، وعلى رأسها قطاع السياحة الذي شهد انتعاشًا كبيرًا، بالإضافة إلى ارتفاع التحويلات الخارجية من العاملين بالخارج، وانخفاض تكلفة الطاقة نتيجة تراجع أسعار النفط عالميًا، مما خفف الضغط على ميزانياتها.
توقعات نمو متفائلة
بناءً على هذه المعطيات، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات دول الخليج لعامي 2025 و2026. ووفقًا لتقرير “آفاق الاقتصاد الإقليمي”، من المتوقع أن تحقق اقتصادات الخليج نموًا بنسبة 3.9% في 2025، بزيادة 0.9 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة، وأن يرتفع النمو إلى 4.3% في 2026.
يأتي هذا الزخم مدفوعًا بتعافي إنتاج النفط واستمرار قوة القطاعات غير النفطية، التي يغذيها الطلب المحلي القوي الناتج عن برامج التنويع الطموحة. وعلى صعيد الأسعار، يتوقع الصندوق أن يبلغ متوسط سعر برميل النفط 69 دولارًا في 2025، ثم يتراجع إلى 66 دولارًا اعتبارًا من 2026، وهو ما يؤكد أهمية بناء اقتصاد لا يعتمد على مصدر دخل واحد.
تحديات ما بعد الصراعات
في المقابل، يرسم التقرير صورة أكثر قتامة للدول التي تعاني من آثار الحروب والتوترات مثل لبنان والسودان وغزة. وشدد أزعور على أن مسار التعافي في هذه الدول يتطلب دعمًا دوليًا شاملًا لا يقتصر على التمويل، بل يمتد ليشمل بناء المؤسسات، وتخفيف الديون، والاستثمار في رأس المال البشري، وضمان الاستقرار الاقتصادي لكبح جماح التضخم.
مواجهة عدم اليقين وسباق المستقبل
حذر أزعور من الركون إلى هذا التحسن، مؤكدًا أن “عدم اليقين يتطلب التكيف المستمر”. ولمواجهة ذلك، أوصى الصندوق بمجموعة من الإجراءات الحاسمة التي ترتكز على تعزيز بيئة الاستثمار ودعم القطاع الخاص لخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.
- دعم دور القطاع الخاص وخفض كلفة التمويل.
- العمل على خفض الدين العام والتحكم في التضخم.
- تعزيز بيئة الاستثمار والتكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية.
وفي سياق سباق المستقبل، أشار أزعور إلى أن السعودية والإمارات وقطر مؤهلة بقوة للاستفادة من ثورة الذكاء الاصطناعي بفضل بنيتها التحتية المتقدمة واستثماراتها الضخمة. ودعا الدول الأخرى إلى تسريع وتيرتها لدعم الشركات الناشئة المبتكرة، مؤكدًا أن دول الخليج لديها فرصة فريدة لتكون حلقة وصل بين الاقتصادات العالمية الكبرى، وهو ما يتطلب تكاملًا اقتصاديًا أعمق وأسواقًا مالية أكثر نضجًا.






