فن

الجونة السينمائي: من حرية يوسف شاهين إلى رسالة كيت بلانشيت الإنسانية

بين الاحتفاء بمئوية شاهين وتكريم بلانشيت، مهرجان الجونة يرسخ دور السينما كقوة للتغيير

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في تقاطع فني وإنساني لافت، جمع مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثامنة بين الاحتفاء بإرث المخرج الراحل يوسف شاهين، أيقونة الحرية في السينما العربية، وبين تكريم النجمة العالمية كيت بلانشيت، التي حولت نجوميتها إلى منصة مؤثرة للدفاع عن قضايا اللاجئين. الحدثان، رغم اختلافهما ظاهريًا، قدّما معًا رؤية متكاملة لدور الفن كقوة دافعة للتغيير الاجتماعي والفكري.

شاهين: مدرسة الحرية التي لا تزال تُلهم

في ندوة حملت عنوان “رحلة مع الأستاذ من عدسته إلى عوالمهم الخاصة”، وأدارها الناقد أحمد شوقي، استعاد مقربون من يوسف شاهين ذكرياتهم معه، كاشفين عن جوانب من شخصيته المهنية والإنسانية. هذه الشهادات لم تكن مجرد سرد لذكريات، بل عكست كيف تحولت تجربته إلى مدرسة فكرية متكاملة أثرت في أجيال من السينمائيين العرب.

الفنانة يسرا، التي قدمت معه أعمالاً أيقونية، وصفت اللقاء الأول به قبل فيلم “حدوتة مصرية”، وكيف أقنعها بتغيير لون شعرها بعد رفضها المبدئي. وأكدت أن شاهين كان يمزج بين دوري المخرج والممثل خلف الكاميرا، قائلة: “كان ديكتاتوراً في عمله، لكنه كان يحب الجميع، ويملك خلطة إنسانية نادرة”. بكاء يسرا عند دخولها معرضه يعكس حجم الفقد الفني والإنساني الذي تركه.

من جانبه، قدّم المنتج جابي خوري تحليلًا عميقًا لشخصية شاهين الاقتصادية والفنية، مؤكدًا أنه لم يكن مجرد مخرج بل “مؤسسة قائمة بذاتها“، تفهم في كافة تفاصيل الصناعة، حتى أنه وضع ألحانًا موسيقية. تأسيسه لشركة “أفلام مصر العالمية” عام 1972، التي لا تزال تعمل حتى اليوم، يبرهن على رؤيته المستدامة التي تجاوزت مجرد صناعة فيلم.

شهادات المخرجين التونسي فريد بوغدير والمغربي داود ولاد السيد، أكدت على الامتداد الإقليمي لتأثير شاهين. بوغدير اعتبر فيلم “العصفور” ثورة في السينما العربية لأنه خلق لغة بصرية جديدة، بينما أشار ولاد السيد إلى أن أفلام شاهين لا تزال تُعرض في نوادي السينما المغربية، مما يثبت أن “مدرسة الحرية” التي أسسها لا تزال حية وتلهم المخرجين الشباب.

كيت بلانشيت: الفن جسر لقضايا الإنسان

على الجانب الآخر من المشهد، قدّمت النجمة العالمية كيت بلانشيت نموذجًا معاصرًا لدور الفنان في المجتمع. خلال حوارها مع الإعلامية ريا أبي راشد، لم تتحدث بلانشيت عن فنها فقط، بل كرّست معظم حديثها لعملها الإنساني الممتد لثماني سنوات مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، محولة منصة المهرجان إلى منبر دولي لقضايا إنسانية ملحة.

بلانشيت استعرضت أرقامًا صادمة، مشيرة إلى أن عدد اللاجئين والنازحين تجاوز 60 مليون شخص، وقالت بوضوح: “التاريخ سيذكر أن العالم قصّر في إيجاد حلول”. لكنها لم تتوقف عند التشخيص، بل روت قصصًا من زياراتها إلى لبنان وسوريا، مؤكدة أن اللاجئين “يحملون شجاعة استثنائية وحسًّا بالفكاهة يدهش العالم”، في رسالة تهدف إلى أنسنة الأرقام والإحصائيات.

لم يعد دور الفنان يقتصر على الحضور الشرفي، وهو ما أكدته بلانشيت بكشفها عن مبادرات عملية، مثل تطوير صندوق لدعم النازحين، وإنتاج أفلام قصيرة ومسلسل يناقش المشكلات النفسية للاجئين. مطالبتها في مهرجان كان بتحويل المهرجانات إلى منصات تفاعلية، يؤشر على تحول في وعي النجوم العالميين بمسؤوليتهم الاجتماعية.

وفي لفتة رمزية عميقة، أشادت بلانشيت بالدور المصري في دعم اللاجئين من غزة وسوريا والسودان، وارتدت سوارًا من صنع لاجئ سوداني. هذه اللفتة لم تكن مجرد إكسسوار، بل رسالة بأن الفن والحرف اليدوية يمكن أن تكون جسورًا للأمل والتضامن، مؤكدة أن السينما ليست مجرد ترفيه، بل أداة فعالة لتغيير نظرة العالم إلى قضايا الإنسان الكبرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *