صحة

ليست مجرد هرمونات.. الحمل يعيد هندسة «دماغ الأم» بشكل جذري وشامل

دراسة تكشف كيف يعيد الجهاز العصبي تشكيل نفسه لخدمة الأمومة

محررة في قسم الصحة، تهتم بتغطية القضايا المتعلقة بالغذاء والوقاية وأسلوب الحياة الصحي

تتجاوز التغيرات التي تطرأ على المرأة خلال رحلة الأمومة النطاق الهرموني المعتاد، لتصل إلى إعادة صياغة شاملة لهيكلية الدماغ. وكشفت أبحاث حديثة قادتها جامعة كاليفورنيا أن الدماغ البشري، الذي ساد الاعتقاد لعقود بأنه «جهاز ثابت» لا يتغير بعد البلوغ، يخضع لعملية صقل عصبية كبرى تجعله أكثر كفاءة لمواجهة متطلبات رعاية المولود، في تحول يشبه إلى حد كبير ما يحدث للدماغ خلال مرحلة المراهقة.

ورغم ضخامة هذا التحول البيولوجي، إلا أن البيانات العلمية حول صحة دماغ المرأة ظلت غائبة بشكل لافت؛ إذ لم تخصص الأبحاث العالمية سوى 0.5% فقط من دراسات مسح الدماغ لصحة النساء منذ تسعينيات القرن الماضي. ويسعى «مشروع دماغ الأم» العالمي حالياً لكسر هذا التهميش عبر تتبع التغيرات الدقيقة التي تصيب الجهاز العصبي (المسؤول عن نقل الإشارات والمعلومات) منذ لحظة الحمل وحتى ما بعد الولادة، لردم فجوة معرفية دامت طويلاً في الطب الحديث.

شملت الدراسة فحص 400 منطقة في الدماغ عبر أجهزة المسح المتطورة وتحاليل الدم لمجموعات تضم أمهات وآباء ونساء غير حوامل، حيث أظهرت النتائج تحولات هيكلية في 97% من المناطق التي خضعت للفحص، تضمنت تراجعاً خطياً في حجم الأنسجة العصبية وزيادة في تدفق السوائل الدماغية المحيطة، وهي تغيرات تبدأ في التراجع تدريجياً بعد انتهاء فترة الحمل.

ويفسر العلماء هذا التراجع في الحجم ليس كضعف في القدرات، بل كعملية «ترشيد» عصبية تهدف إلى تعزيز الروابط الأكثر أهمية. وتقول إميلي جاكوبس، مديرة المشروع، إن كل منطقة في الدماغ تقريباً تتغير بشكل ملحوظ خلال الحمل، مشيرة إلى أن النظام الوعائي (شبكة الأوعية الدموية) يتكيف بشكل مذهل تماماً كما يتكيف نظام القلب والدورة الدموية لاستيعاب الجنين المتنامي. الدماغ يعيد ابتكار نفسه.

يتيح هذا الرصد العلمي الدقيق فرصة غير مسبوقة للتنبؤ المبكر بمخاطر صحية معقدة، مثل اكتئاب ما بعد الولادة أو التأثيرات طويلة المدى لمرض تسمم الحمل (ارتفاع ضغط الدم الخطير أثناء الحمل) على الوظائف العقلية. ومن خلال توسيع قاعدة البحث لتشمل مراكز في إسبانيا والولايات المتحدة، يسعى الخلاء لتصحيح المفاهيم الشائعة حول «نسيان الأمومة»، وتحويلها من وصمة تتعلق بقصور الأداء إلى دليل على مرونة الدماغ البشرية وقدرتها الفائقة على التكيف مع أضخم التحولات الحيوية في حياة الإنسان.

مقالات ذات صلة