اقتصاد

الين الياباني ينتعش وأزمة البنوك الأمريكية تعيد رسم خريطة العملات

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في تحول مفاجئ، انتعش الين الياباني بقوة مقابل الدولار الأمريكي، مستفيدًا من حالة القلق التي تسود الأسواق العالمية. يأتي هذا الارتفاع بعد أن أدت أزمة قروض متعثرة في بنكين أمريكيين إلى زيادة الطلب على أصول الملاذ الآمن، لتعود العملة اليابانية إلى دائرة الضوء بعد وصولها لأدنى مستوياتها في ثمانية أشهر.

ملاذ آمن في وجه العاصفة

تفوق أداء العملة اليابانية على معظم عملات مجموعة العشر (G10) يوم الجمعة، حيث ارتفع بنسبة 0.4% ليصل إلى 149.90 ين للدولار، وهو أعلى مستوى له منذ السادس من أكتوبر. هذا التحرك لم يكن مقتصرًا على الين، فقد شهد الفرنك السويسري ارتفاعًا مماثلًا، بينما تراجع الدولار الأمريكي وعائدات سندات الخزانة الأمريكية وسط موجة بيع واسعة طالت أسهم البنوك الإقليمية في الولايات المتحدة.

يعكس هذا التوجه سلوكًا استثماريًا كلاسيكيًا في أوقات الاضطرابات المالية، حيث يهرع المستثمرون للتخلي عن الأصول ذات المخاطر العالية، مثل الأسهم والدولار المرتبط بقوة الاقتصاد الأمريكي، واللجوء إلى عملات تعتبر تاريخيًا أكثر استقرارًا. وتعتبر أزمة البنوك الأمريكية الأخيرة محفزًا مباشرًا لهذه الموجة من العزوف عن المخاطرة، مما يصب في صالح الين.

ضبابية سياسية وتلميحات نقدية

المفارقة تكمن في أن هذا الانتعاش يأتي في وقت يشهد فيه المشهد السياسي الياباني حالة من عدم اليقين. فقبل أسبوع واحد فقط، سجل الين أدنى مستوى له منذ فبراير عقب فوز ساناي تاكايشي برئاسة الحزب الديمقراطي الليبرالي، وتفاقمت التقلبات بعد الانهيار المفاجئ للائتلاف الحاكم، وهي عوامل كانت لتدفع العملة للانخفاض في الظروف الطبيعية.

ويشير كريستوفر وونغ، استراتيجي العملات لدى “أوفرسي تشاينيز بانكينغ”، إلى أن تراجع الدولار أمام الين يتبع بشكل مباشر انخفاض عائدات سندات الخزانة الأمريكية. وأضاف أن الأنظار تتجه الآن إلى كيفية تشكيل ائتلاف حاكم جديد في اليابان، خصوصًا إمكانية التوصل لاتفاق بين الحزب الديمقراطي الليبرالي وحزب الابتكار.

ورغم أن الضبابية السياسية قلصت توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل بنك اليابان هذا الشهر، ترك المحافظ كازو أويدا الباب مفتوحًا. ففي تصريحات من واشنطن، أكد أن البنك سيواصل سياسة التشديد النقدي إذا زادت الثقة في تحقيق التوقعات الاقتصادية، مما يلمح إلى أن قرار رفع الفائدة لا يزال مطروحًا على الطاولة.

هل يتكرر سيناريو 2023؟

يرى مارك كرانفيلد، المحلل الاستراتيجي في “ماركتس لايف”، أن الوضع الحالي يعيد إلى الأذهان أزمة البنوك الإقليمية الأمريكية في 2023، والتي أدت حينها إلى هبوط الدولار بنحو 800 نقطة أمام الين. ويشير إلى أن تكرار حدث مشابه قد يدفع بسعر الصرف نحو أدنى مستوى له هذا الشهر عند 146 ينًا للدولار.

يبقى المحرك الرئيسي لهذه التوقعات هو مسار عائدات سندات الخزانة، مع هبوط عائدات السندات لأجل عامين إلى مستويات لم تشهدها منذ ثلاث سنوات. ويتسع المجال لمزيد من الانخفاض، خاصة مع تزايد توقعات المتداولين بأن يخفض الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة المستهدف إلى نطاق 3%، وهو ما سيزيد من الضغط على الدولار ويعزز قوة الين الياباني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *