اقتصاد

الصين تواجه أطول موجة انكماش منذ عقود

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

تواجه الصين أطول موجة من انخفاض الأسعار منذ إصلاحاتها الاقتصادية الكبرى في سبعينيات القرن الماضي، مما يثير تساؤلات حول صحة ثاني أكبر اقتصاد في العالم. ورغم تباطؤ وتيرة الهبوط، تكشف الأرقام الرسمية عن ضغوط انكماشية عميقة تهدد استقرار الشركات والأسر على حد سواء.

قراءة في أرقام التضخم

أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الوطني الصيني تراجع أسعار المستهلكين بنسبة 0.3%، وهو انخفاض يفوق متوسط التقديرات الذي توقعه اقتصاديون في استطلاع أجرته وكالة بلومبرغ. ويأتي هذا التراجع مدفوعًا بشكل رئيسي بانخفاض أسعار المواد الغذائية، مما يعكس ضعف الطلب الاستهلاكي المحلي الذي لم يتعافَ بالكامل بعد جائحة كورونا.

في المقابل، شهد مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفاعًا إلى 1%، وهو أعلى مستوى له منذ 19 شهرًا. هذه الإشارة الإيجابية الخافتة لم تكن كافية لتبديد المخاوف الأوسع، حيث يعكس التباين بين المؤشرين أن أي تحسن لا يزال هشًا ومحصورًا في قطاعات معينة، بينما يعاني الاقتصاد ككل.

المصانع تحت ضغط مستمر

على صعيد القطاع الصناعي، انخفضت أسعار المنتجين (أسعار المصانع) بنسبة 2.3% على أساس سنوي، لتسجل بذلك تراجعًا للشهر السادس والثلاثين على التوالي. هذا الانكماش الممتد في أسعار المصانع هو مؤشر مباشر على وجود فائض في الإنتاج وتخمة في المعروض، مما يجبر الشركات على خوض حروب أسعار شرسة للحفاظ على حصصها السوقية.

ورغم أن وتيرة الانكماش تباطأت للشهر الثاني، فإن استمراره لفترة طويلة يعكس تحديات هيكلية في اقتصاد الصين. ففي ظل أزمة قطاع الإسكان التي قلصت الطلب على مواد البناء، والضعف العام في الإنفاق، تجد المصانع نفسها مضطرة لبيع منتجاتها بأسعار أقل، مما يضغط بشدة على هوامش أرباحها وقدرتها على التوسع أو التوظيف.

انكماش ضمني يهدد النمو الاقتصادي

تتجاوز المشكلة مجرد أرقام شهرية، حيث يُظهر “الانكماش الضمني للناتج المحلي الإجمالي”، وهو المقياس الأوسع للأسعار في الاقتصاد، تراجعًا مستمرًا لأكثر من عامين. هذه الظاهرة، التي تمثل أطول فترة انخفاض منذ بدء تسجيل البيانات الفصلية عام 1992، تكشف عن اختلال عميق بين العرض الهائل والطلب الضعيف، وهو ما يثقل كاهل ميزانيات الشركات ويؤثر سلبًا على دخول الأسر وإيرادات الحكومة.

هذه الضغوط الانكماشية المستمرة دفعت الحكومة الصينية إلى خفض هدفها الرسمي للتضخم إلى نحو 2% لعام 2025، وهو أدنى مستوى منذ عقدين، في اعتراف ضمني بأن معركة إعادة الأسعار إلى مسار النمو ستكون طويلة. ومع ذلك، يترقب المحللون بيانات النشاط الاقتصادي للربع الثالث، وسط توقعات بتباطؤ قد يضع هدف النمو الاقتصادي السنوي البالغ 5% في دائرة الشك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *