الحرب التجارية: خط أحمر صيني يهدد بهدنة هشة

في خطوة مفاجئة أعادت أجواء التوتر إلى العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم، رسمت بكين خطاً أحمر واضحاً في وجه واشنطن، مهددة بعودة دوامة الحرب التجارية التي كادت أن تخرج عن السيطرة. يأتي هذا التصعيد قبل أسابيع قليلة من قمة مرتقبة تجمع الرئيس الصيني شي جين بينغ بنظيره الأمريكي دونالد ترمب، مما يضع مستقبل الهدنة الهشة بين البلدين على المحك.
بدأت الأزمة الأخيرة عندما كشفت الصين عن فرض قيود واسعة على صادرات المنتجات التي تحتوي على معادن نادرة، وهي مواد حيوية لصناعات تكنولوجية ودفاعية متقدمة. الرد الأمريكي لم يتأخر، حيث لوّح الرئيس ترمب بإلغاء الاجتماع المنتظر مع شي، وهدد بمضاعفة الرسوم الجمركية على السلع الصينية لتصل إلى 100%، مع فرض قيود شاملة على البرمجيات الحيوية.
إجراءات دفاعية أم تصعيد محسوب؟
بررت بكين تحركاتها بأنها إجراءات دفاعية ضرورية، متهمة الولايات المتحدة بفرض قيود جديدة تستهدفها منذ محادثات مدريد في سبتمبر. وكانت وزارة التجارة الأمريكية قد وسعت بالفعل نطاق قيودها على التصدير الشهر الماضي، في محاولة لسد الثغرات التي كانت تسمح للصين بالحصول على رقائق إلكترونية متطورة، وهو ما اعتبرته بكين استهدافاً مباشراً لتقدمها التكنولوجي.
وقالت وزارة التجارة الصينية في بيان حاد اللهجة: “التهديدات المتعمدة بفرض رسوم جمركية مرتفعة ليست الطريقة الصحيحة للتعامل مع الصين”. وأضافت أن “موقف الصين من الحرب التجارية ثابت: لا نريدها، لكننا لا نخافها”، في رسالة تعكس ثقة متزايدة في قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود.
خلاف حول شروط الهدنة
يكشف هذا التوتر عن الخلاف العميق بين الجانبين حول تفسير شروط الهدنة التي تم التوصل إليها في مايو الماضي. فبينما اعتبرها الرئيس شي جين بينغ تجميداً لأي قيود جديدة على الشحنات الحيوية من كلا الطرفين، يبدو أن واشنطن فهمتها على أنها تقتصر فقط على خفض الرسوم مقابل السماح بتدفق مغناطيسات المعادن النادرة الصينية دون عوائق.
والسؤال الآن هو ما إذا كان يمكن للطرفين التوصل إلى تفاهم جديد قبل أن تصل الرسوم الجمركية إلى مستويات تهدد بانفصال اقتصادي أوسع. وقد انعكست هذه المخاوف مباشرة على الأسواق العالمية، حيث شهدت الأسهم الأمريكية أسوأ موجة بيع منذ ستة أشهر، وتراجعت أسعار سلع أساسية مثل فول الصويا والقمح والنحاس.
دوافع استراتيجية تتجاوز الاقتصاد
يرى محللون أن مخاوف واشنطن من الصين تتجاوز الأبعاد الاقتصادية البحتة لتصل إلى عمق الأمن القومي. فبحسب مؤسسة “هوتونغ ريسيرش”، فإن “خشية واشنطن من الصين تعود لأسباب استراتيجية”، مضيفة أن أي اضطراب في تدفق المعادن النادرة يهدد مباشرة الطاقة الإنتاجية لقطاع الدفاع، الذي يمثل ركيزة أساسية في نفوذ أمريكا العالمي واستقرار الدولار.
هذا الصراع يلقي بظلاله أيضاً على صفقات تجارية أخرى، مثل صفقة استحواذ محتملة على عمليات “تيك توك” في أمريكا، والتي يواجهها المشرعون الأمريكيون بمعارضة شديدة لمخاوف أمنية. فكل قرار اقتصادي أصبح يُنظر إليه من خلال عدسة المنافسة الاستراتيجية بين القوتين العظميين.
نافذة أمل لخفض التصعيد
رغم حدة اللهجة، ترك الطرفان مجالاً للمناورة. فالرسوم التي أعلن عنها ترمب لن تدخل حيز التنفيذ إلا في الأول من نوفمبر، أي بعد أيام من القمة المنتظرة مع شي. أما القيود الصينية، فسيبدأ تطبيقها بعد أسبوع، مما يمنح المفاوضين فرصة أخيرة للتوصل إلى حل قبل انهيار الهدنة التجارية بالكامل.
وقد تكون اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين المقبلة في واشنطن مسرحاً لحوار غير رسمي، حيث يتوجه وفد صيني لحضورها. لكن حتى هناك، قد يواجه المسؤولون الصينيون ضغوطاً دولية، لأن قيودهم الجديدة على المعادن النادرة لا تقتصر على الولايات المتحدة، بل تهدد بتعطيل سلاسل التوريد لشركات أوروبية وآسيوية أيضاً.
في نهاية المطاف، يرى خبراء أن التسوية التفاوضية هي النتيجة الأكثر ترجيحاً، إذ أن المخاطر الاقتصادية والأمنية هائلة على كلا الجانبين. لكن ما لا شك فيه أن هذه الجولة من التصعيد تمثل “نقطة تحول”، حيث تستخدم الصين نفوذها في سلاسل التوريد العالمية كسلاح لمقاومة الضغوط الأمريكية، معلنةً أنها لن تسمح لواشنطن بتجاوز “الخط الأحمر”.







