فاتورة الذكاء الاصطناعي الباهظة: لماذا تخسر الشركات الكبرى في البداية؟

في مفارقة تكشف الوجه الآخر لثورة التكنولوجيا، يبدو أن الطريق نحو مستقبل يهيمن عليه الذكاء الاصطناعي ليس مفروشًا بالورود كما كان يُعتقد. فقد كشف استطلاع حديث أجرته شركة الخدمات العالمية “إي واي” (EY) أن جميع الشركات الكبرى تقريبًا، التي سارعت لتبني هذه التقنية، دفعت فاتورة باهظة تمثلت في خسائر مالية أولية، مما يطرح تساؤلات جدية حول استراتيجيات التطبيق والاستعداد لمواجهة تحدياته.
الاستطلاع، الذي شمل 975 مديرًا تنفيذيًا في شركات تتجاوز مبيعاتها السنوية مليار دولار، دق ناقوس الخطر. فالأسباب وراء هذه الخسائر، التي بلغت مجتمعة 4.4 مليار دولار، لم تكن أعطالًا تقنية بسيطة، بل مشكلات جوهرية تتعلق بـعدم الامتثال للقواعد، أو ظهور نتائج غير دقيقة ومتحيزة، بالإضافة إلى تأخر تحقيق أهداف الاستدامة التي وُضعت على أساس الوعود الكبيرة لهذه التقنية.
المثير للدهشة هو أن هذه الخسائر المباشرة لم تكن سوى قمة جبل الجليد. فقد تراجعت مؤشرات أساسية مثل نمو الإيرادات، وتوفير التكاليف، وحتى رضا الموظفين عن التوقعات الأولية. ورغم ذلك، لا يزال التفاؤل يسيطر على مجالس الإدارات، حيث ترى هذه الشركات أن المنافع الكبيرة ستتحقق في نهاية المطاف، لكن السؤال يبقى: متى وكيف؟
الذكاء الاصطناعي المسؤول.. طوق النجاة؟
يقدم جو ديبا، الرئيس العالمي للابتكار في “إي واي”، تفسيرًا منطقيًا لهذا التأخير في تحقيق العوائد. في حديثه لوكالة رويترز، أوضح أن “الذكاء الاصطناعي يحسّن الكفاءة والإنتاجية بلا شك”، لكن المكاسب الأولية يُعاد استثمارها في إنجاز المزيد من العمل، وليس بالضرورة في خفض التكاليف أو تحقيق إيرادات فورية. إنها مرحلة بناء واستثمار داخلي قبل مرحلة جني الثمار.
وهنا يبرز مفهوم “الذكاء الاصطناعي المسؤول” كحل حاسم. فالاستطلاع أظهر بوضوح أن الشركات التي وضعت سياسات حوكمة داخلية صارمة، وأصدرت إرشادات واضحة للاستخدام، وتابعت الالتزام بها، سجلت أداءً أقوى بشكل ملحوظ في كافة المؤشرات. الأمر لم يعد يتعلق فقط بامتلاك التكنولوجيا، بل بإدارتها بحكمة ومسؤولية.
فقاعة تقييمات أم استثمار للمستقبل؟
على الجانب الآخر من المشهد، وفي تناقض صارخ مع الخسائر التشغيلية، تجتذب الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي مبالغ قياسية من رؤوس أموال المخاطرة. لكن حتى كبار المستثمرين بدؤوا في التحذير مما وصفوه بـ”الضجة المبالغ فيها”، حيث تبدو تقييمات بعض الشركات “سطحية ولا تعكس الواقع”، وفقًا لمسؤولين في صناديق ثروة سيادية كبرى.
هذه الفجوة بين الواقع التشغيلي الصعب والتقييمات السوقية المتضخمة ترسم صورة معقدة لمستقبل الذكاء الاصطناعي. فبينما تتكبد الشركات الكبرى خسائر في رحلة التعلم والتطبيق، تراهن الأسواق على مستقبل وردي قد لا يكون قريبًا كما يتصور البعض، مما يؤكد أن النجاح في هذا المجال يتطلب أكثر من مجرد التكنولوجيا؛ إنه يتطلب الصبر، الحوكمة، والكثير من الواقعية.









