اقتصاد

ستيلانتيس في عين العاصفة: كيف هوت أيقونة “جيب” ومن سينقذها؟

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

ستيلانتيس في عين العاصفة: كيف هوت أيقونة “جيب” ومن سينقذها؟

في ليلة مباراة “السوبر بول” الحاسمة، جلس الممثل هاريسون فورد في كوخ دافئ، يتحدث عن الحرية بصوت حكيم. لم تكن حرية سياسية، بل حرية الاختيار بين هدير محرك بنزين وسكون محرك كهربائي، طالما أن كليهما يحمل شعار “جيب”. كان الإعلان بمثابة رسالة باهظة الثمن تذكر الأمريكيين بعشقهم لهذه العلامة، لكن خلف الكواليس، كانت جيب، جوهرة تاج شركة ستيلانتيس، تعيش أسوأ كوابيسها.

ما حدث لم يكن وليد الصدفة. فخلال أربع سنوات، قاد الرئيس التنفيذي السابق، كارلوس تافاريس، الشركة نحو مسار محفوف بالمخاطر. استراتيجيته التي ركزت على رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه وزيادة إنتاج الطرازات الفاخرة، مع إهمال الاستثمار في تحديث التشكيلة الأساسية، تركت فجوات قاتلة في السوق ومخزوناً متضخماً لدى الوكلاء الغاضبين، الذين لم يترددوا في إرسال خطاب مفتوح يتهمونه بتدمير العلامة التجارية.

ما الذي حدث لأسطورة الطرق الوعرة؟

تجلت الكارثة في أرقام يوليو 2024، عندما هوى صافي دخل ستيلانتيس بنسبة قاربت 50%. كانت “جيب”، التي تمثل رمزاً للقوة والمغامرة في النفسية الأمريكية، تخسر زبائنها لصالح منافسين مثل “فورد برونكو” و”هيونداي” الذين قدموا بدائل أفضل قيمة. لقد تحولت السيارة التي تقتحم التضاريس إلى يخت بري يتجاوز سعره 100 ألف دولار، بينما ظلت الطرازات الشعبية مثل “شيروكي” و”كومباس” تنتظر تحديثاً لم يأتِ.

هذه الأخطاء الاستراتيجية لم تكن لتمر دون حساب. فمع تدهور الأوضاع، وجد جون إلكان، رئيس مجلس الإدارة وسليل عائلة أنييلي الإيطالية العريقة، نفسه في مهمة إنقاذ ضخمة. إلكان، الذي يدير إمبراطورية العائلة من خلال شركة “إكسور” القابضة، كان عليه أن يطفئ حريقاً أشعله تافاريس، الذي أطيح به في النهاية تاركاً وراءه إرثاً من التحديات.

هل ينقذها وريث “فيات”؟

جون إلكان ليس مجرد وريث، بل هو مهندس صفقات كبرى، لكن مهمته الحالية هي الأصعب. فهو لا يدير ثروة عائلته فحسب، بل يحاول تحويل شركات إيطالية عتيقة إلى عمالقة دوليين. ومع ذلك، فإن صناعة السيارات التقليدية تبدو كعبئاً على محفظته الاستثمارية التي تتجه أكثر نحو التقنية والرفاهية، حيث تمثل “فيراري” وحدها نصف قيمة أصول “إكسور”، بينما لا تشكل “ستيلانتيس” سوى 13%.

لم تكن الأزمة داخلية فقط. فقد جاءت رئاسة دونالد ترامب الثانية لتزيد الطين بلة. تعهداته بإلغاء أهداف السيارات الكهربائية وفرض رسوم جمركية جديدة قلبت استراتيجية الشركة رأساً على عقب، وأجبرت إلكان على خوض جولات دبلوماسية مكوكية بين واشنطن وروما وباريس لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

مستقبل غامض.. وقائد من الداخل

بعد بحث مضنٍ عن قائد جديد، لم ينجح إلكان في استقطاب اسم كبير من خارج الشركة، في إشارة ضمنية إلى أن الوظيفة لم تكن جذابة للكفاءات الخارجية. الحل جاء من الداخل بترقية أنطونيو فيلوسا، الإيطالي الذي أدار بنجاح عمليات أمريكا الجنوبية. يواجه فيلوسا الآن تركة ثقيلة؛ فقد استقبلته في أول مؤتمر أرباح له خسارة فادحة بلغت 2.7 مليار دولار في النصف الأول من العام.

اليوم، يقف إلكان وفيلوسا أمام مفترق طرق. هل ينجحان في إعادة إحياء علامة “جيب” وإصلاح الضرر الذي لحق بعمليات الولايات المتحدة؟ أم أن هذه الأزمة ستكون المسمار الأخير في نعش تركيز إلكان على صناعة السيارات، ليتجه بكامل طاقته نحو عالم “البكسلات” والرفاهية، تاركاً خلفه إرثاً من “المكابس” والصدأ؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *