اقتصاد

الاحتياطي الفيدرالي في متاهة الشرح.. هل تضر رسائله المعقدة بمصداقيته؟

صحفية في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، تتابع تطورات الأعمال والاستثمار وتحرص على تقديم معلومات دقيقة وموثوقة

الاحتياطي الفيدرالي في متاهة الشرح.. هل تضر رسائله المعقدة بمصداقيته؟

في قلب واشنطن، يقف جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أمام تحدٍ لا يقل أهمية عن محاربة التضخم نفسه: تحدي التواصل. فعندما يتحدث باول وزملاؤه، يصغي العالم بأسره، لكن الرسالة الأخيرة بدت وكأنها كُتبت بلغة مُشفرة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول فعالية السياسة النقدية في عصر يكتنفه الغموض.

لا أحد يشكك في جدية باول وفريقه في إعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2%، فمصداقية البنك المركزي هي حجر الزاوية في نجاح مهمته. لكن مع كل قرار جديد، خاصة قرار خفض سعر الفائدة الأخير، يبدو أن الشرح يزداد تعقيداً، وهو ما قد يفتح الباب أمام الشكوك ويزعزع الثقة التي يسعى الفيدرالي جاهداً لترسيخها.

روايتان لقرار واحد.. البساطة في مواجهة التعقيد

كان من الممكن شرح قرار خفض الفائدة ببساطة ووضوح. يمكن تلخيص الرواية البسيطة كالتالي: “هدفنا هو نمو الطلب بنحو 4% سنوياً ليتماشى مع هدف التضخم ونمو الناتج. لاحظنا تباطؤاً في الطلب، لذا قمنا بخفض طفيف في سعر الفائدة لدعمه. إذا لم يتباطأ بالقدر الكافي، سنرفع الفائدة مجدداً، وإذا تباطأ أكثر من اللازم، سنخفضها مرة أخرى”.

لكن ما حدث كان العكس تماماً. جاء التفسير الفعلي أشبه بمتاهة من المتغيرات المتضاربة: التضخم عالق، والرسوم الجمركية تأثيرها غير واضح، وسوق العمل يتباطأ لكنه لا يزال قوياً، وأرقام الوظائف متذبذبة، وأسعار الأصول ترتفع. وفي خضم كل هذا، ظهر مصطلح “سعر الفائدة المحايد” كبطل غامض للحكاية، وهو السعر الذي لا نعرفه على وجه اليقين.

“سعر الفائدة المحايد”.. مصطلح غامض في قلب العاصفة

إن التركيز المفرط على “سعر الفائدة المحايد” – وهو مفهوم نظري يتغير باستمرار مع الظروف الاقتصادية – يصرف الانتباه عن السؤال الأهم: هل ينمو الطلب في الاقتصاد بالوتيرة الصحيحة؟ هذا المفهوم النظري يدفع بصانعي السياسات إلى حسابات معقدة، كما فعل ستيفن ميران، أحد المعينين الجدد في المجلس، محاولاً تقدير تأثير كل شيء من الرسوم الجمركية إلى سياسات الهجرة على هذا السعر الافتراضي.

هذا التعقيد لا يخدم الهدف الرئيسي، بل يشتت التركيز عن المؤشر العملي الأهم: مسار نمو الطلب. ففي النهاية، الحكم على ما إذا كانت السياسة النقدية “مقيدة” أم “توسعية” يمكن قياسه بشكل أفضل من خلال أثرها على نمو الطلب الكلي في الاقتصاد.

التركيز على “الطلب”.. بوصلة الفيدرالي المفقودة

هنا تبرز قيمة استهداف “نمو الطلب” أو ما يعرف بـ”استهداف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي”. هذا النهج لا يتميز بالبساطة فقط، بل يوفر ميزة حاسمة في مواجهة الصدمات الاقتصادية، مثل الرسوم الجمركية، التي تدفع الأسعار للارتفاع والتوظيف للانخفاض في آن واحد، مما يضع الفيدرالي في مأزق الاختيار بين شقي تفويضه المزدوج (التوظيف الكامل واستقرار الأسعار).

من خلال التركيز على الحفاظ على مسار نمو الطلب مستقراً، يمكن للبنك المركزي أن يتجاهل التقلبات قصيرة الأجل الناتجة عن صدمات العرض، واثقاً بأن التضخم سيعود إلى مستهدفه بمرور الوقت. إنه يوفر بوصلة واضحة بدلاً من الإبحار اعتماداً على نجوم نظرية قد لا تكون مرئية دائماً.

لقد أعلن جيروم باول مؤخراً عن مراجعة لإطار عمل الفيدرالي. قد تكون هذه هي الفرصة المثالية لتبسيط الرسالة. النصيحة بسيطة: تحدثوا أقل عن المفاهيم النظرية، وركزوا أكثر على “الطلب”. فالوضوح ليس ترفاً، بل أداة أساسية للحفاظ على مصداقية أهم بنك مركزي في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *