تلوث الهواء: عدو خفي يفاقم معاناة مرضى انقطاع التنفس أثناء النوم

في ليالي الكثيرين، يتحول النوم من ملاذ للراحة إلى ساحة صراع صامت مع أنفاس متقطعة، لكن دراسة دولية حديثة كشفت أن هذا الصراع قد يكون له عدو خفي قادم من خارج أجسادنا، عدو يملأ الهواء الذي نستنشقه، وهو تلوث الهواء.
ففي كشف علمي مثير للقلق، توصل باحثون إلى أن الأشخاص الذين يعانون من انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، يواجهون تفاقمًا ملحوظًا في حالتهم كلما زاد تعرضهم للهواء الملوث بالجسيمات الدقيقة، وهو ما يحول مشكلة بيئية عامة إلى تهديد مباشر يطرق أبواب غرف نومنا.
دراسة أوروبية واسعة النطاق تدق ناقوس الخطر
لم يعد الأمر مجرد تكهنات، بل حقيقة مدعومة ببيانات قوية عُرضت في مؤتمر الجمعية الأوروبية للجهاز التنفسي. فقد استند البحث، الذي يعد الأوسع من نوعه، إلى قاعدة بيانات ضخمة شملت أكثر من 19 ألف مريض في 25 مدينة عبر 14 دولة أوروبية، ما منحه ثقلاً إحصائياً غير مسبوق.
قام الباحثون بربط بيانات المرضى الصحية، مثل العمر والوزن، بنتائج دراسات النوم الدقيقة التي ترصد عدد مرات توقف التنفس، ثم دمجوا كل ذلك مع سجلات جودة الهواء من خدمة “كوبرنيكوس” الأوروبية. وكانت النتيجة واضحة: كلما ارتفع تركيز الجسيمات الدقيقة (المنبعثة من عوادم السيارات والمصانع)، زادت شدة أعراض اضطرابات النوم.
أرقام صغيرة.. بتداعيات كبيرة على الصحة العامة
أظهر التحليل الإحصائي أن كل زيادة بمقدار وحدة واحدة في تركيز الجسيمات الدقيقة، ارتبطت بزيادة قدرها 0.41 في مؤشر توقف التنفس. قد يبدو هذا الرقم ضئيلاً على المستوى الفردي، لكن المؤلف الرئيسي للدراسة، مارتينو بينجو، يوضح الصورة الأكبر قائلاً: “على نطاق سكاني واسع، هذا يعني انتقال أعداد هائلة من المرضى من الدرجات الخفيفة إلى الشديدة، ما يضاعف العبء على الأنظمة الصحية ويزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري والضغط المرتبطة بانقطاع التنفس”.
الأمر المثير للاهتمام هو أن هذا الارتباط لم يكن متساويًا في كل مكان، فكان تأثير التلوث أقوى في مدن مثل باريس وأثينا، بينما كان أضعف في مدن أخرى. يفتح هذا التباين الباب أمام أسئلة جديدة حول دور المناخ المحلي وأنواع الملوثات المختلفة في تحديد حجم الخطر.
حقائق صادمة عن الهواء الذي نتنفسه
لتكتمل الصورة، تقدم منظمة الصحة العالمية حقائق تبرز حجم الأزمة عالميًا:
- 9 من كل 10 أشخاص حول العالم يتنفسون هواءً ملوثًا يتجاوز الحدود الآمنة.
- يودي تلوث الهواء بحياة نحو 7 ملايين إنسان سنويًا بسبب أمراض القلب والسكتة الدماغية وسرطان الرئة.
- 90% من الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء تحدث في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
- تلوث الهواء مسؤول عن 24% من وفيات أمراض القلب، و25% من السكتات الدماغية، و29% من وفيات سرطان الرئة.
- المصادر الرئيسية للتلوث تشمل الاستخدام غير الفعال للطاقة، والنقل، والصناعة، وحرق النفايات.
نظرة جديدة للعلاج والوقاية
تؤكد هذه النتائج على ضرورة تبني نهج أشمل في التعامل مع انقطاع النفس أثناء النوم. فلم يعد العلاج مقتصرًا على تعديل الوزن أو استخدام أجهزة التنفس المساعدة ليلاً، بل يجب أن يمتد ليشمل تحسين جودة الهواء كجزء لا يتجزأ من خطة الرعاية الصحية.
وتعلق صوفيا شيزا، رئيسة مجموعة خبراء اضطرابات التنفس بالجمعية الأوروبية، قائلة: “هذه الدراسة تدمج منظور الصحة البيئية في قلب طب النوم، وتؤكد أن مكافحة التلوث ليست قضية بيئية فحسب، بل هي شأن صحي مباشر يؤثر على جودة حياتنا ونومنا”. إن ربط سياسات المرور والتخطيط العمراني بالصحة العامة لم يعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لحماية أنفاسنا أثناء اليقظة والنوم على حد سواء.









