صدام العمالقة: أبل تشن هجوماً كاسحاً وتطالب بإلغاء قانون الأسواق الرقمية الأوروبي

في خطوة تبدو وكأنها إعلان حرب، وصل الصراع المكتوم بين عمالقة وادي السيليكون والمشرّعين في بروكسل إلى نقطة الغليان. ألقت شركة أبل، عملاق التكنولوجيا وصانعة أجهزة “آيفون”، بقفاز التحدي في وجه الاتحاد الأوروبي، مطالبةً ليس فقط بتعديلات أو حوار، بل بالإلغاء الكامل لأبرز تشريعاته التنظيمية، قانون الأسواق الرقمية، في إشارة إلى بدء مرحلة جديدة وأكثر شراسة في هذه المعركة العابرة للأطلسي.
انطلقت شرارة هذه المواجهة في عام 2022، حين أقر الاتحاد الأوروبي قانون الأسواق الرقمية (DMA) بهدف معلن وهو تفكيك الحصون الرقمية التي بنتها شركات مثل أبل وجوجل، وخلق ساحة لعب أكثر عدالة للمنافسين الأصغر حجمًا. لكن بالنسبة للشركات المستهدفة، كان القانون بمثابة هجوم مباشر، مدعومًا بتهديدات بفرض غرامات قاسية قد تصل إلى 10% من إيراداتها العالمية السنوية، وهو رقم يمكن أن يترجم إلى مليارات الدولارات.
حرب خفية عبر الأطلسي.. هل تستهدف أوروبا عمالقة أمريكا؟
هذا الخلاف ليس مجرد نزاع تجاري، بل هو معركة ذات أبعاد سياسية عميقة. فمطالبة أبل تعكس شعوراً عاماً بالاستهداف لدى شركات التكنولوجيا الأمريكية. وقد تصاعدت التوترات لسنوات، حتى إن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب هدد بفرض رسوم جمركية عقابية على أي دولة تستهدف الشركات الأمريكية. كما ورد أن مارك زوكربيرج، مؤسس “ميتا”، قد ضغط شخصيًا على ترامب للتدخل ضد القانون الأوروبي، واصفًا إياه بأنه اعتداء على المصالح الاقتصادية الأمريكية.
وفي ردها الرسمي على دعوة روتينية لتقديم التعليقات، كانت لغة أبل حادة بشكل غير معهود، حيث قالت الشركة: “يجب إلغاء قانون الأسواق الرقمية ريثما يتم وضع أداةٍ تشريعيةٍ أكثر ملاءمةً للغرض”. هذه ليست مجرد صياغة قانونية، بل هي رفض كامل للنهج التنظيمي الأوروبي، وتأتي بعد أشهر قليلة من فرض الاتحاد الأوروبي غرامة ضخمة بقيمة 500 مليون يورو على أبل في أبريل الماضي بسبب قواعد متجر التطبيقات الخاصة بها.
من داخل أبل: كيف يعرقل القانون الأوروبي تجربة المستخدم؟
تجادل أبل بأن الضحية الحقيقية في هذه المعادلة هو المستهلك الأوروبي. تزعم الشركة أن القانون، بدلاً من تعزيز الخيارات، قلّصها وخلق بيئة تنافسية “غير عادلة”، على عكس أهدافه المعلنة. ولإثبات وجهة نظرها، استشهدت الشركة بأمثلة ملموسة، مثل تأجيل إطلاق ميزات جديدة كالترجمة الفورية عبر سماعات AirPods، وذلك لضمان امتثالها لمتطلبات “التوافق التشغيلي” الصارمة التي يفرضها القانون.
في بيان يعكس حجم الإحباط، كشفت الشركة عن التكلفة البشرية للامتثال قائلة: “تُكرّس فرق العمل في أبل آلاف الساعات من العمل لتقديم ميزات جديدة إلى الاتحاد الأوروبي مع الالتزام بمتطلبات القانون. لكن اتضح أنه لا يمكننا حل جميع المشكلات التي يُسببها القانون”. ترسم هذه الكلمات صورة لعملاق تكنولوجي غارق في الروتين التنظيمي، ومكبل عن تقديم أفضل ابتكاراته لعملائه في أوروبا.
على الجانب الآخر، تقف المفوضية الأوروبية بصلابة. أقر متحدث باسمها بأن الشركات قد تحتاج إلى “وقت أطول لجعل منتجاتها متوافقة”، مؤكداً أن بروكسل على استعداد للمساعدة. لكن الرسالة الأساسية كانت واضحة وحاسمة: “الامتثال لقانون الأسواق الرقمية ليس اختيارياً، بل هو التزام”. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، هذه مسألة سيادة قانونية وليست قابلة للتفاوض.
هذه المواجهة الشرسة تتركنا أمام سؤال محوري: هل هي معركة مبادئ تخوضها أبل لحماية الابتكار وتجربة المستخدم من لوائح تنظيمية مفرطة، أم أنها مجرد مقاومة متوقعة من كيان احتكاري قوي ضد قانون صُمم للحد من هيمنته؟ وبينما يتصادم هؤلاء العمالقة، من سيدفع الثمن في النهاية.. شركات التكنولوجيا أم المستهلك الأوروبي نفسه؟









