عرب وعالم

حرائق أوروبا: كارثة بيئية تتجاوز الأرقام القياسية وتدق ناقوس الخطر المناخي

تشهد القارة العجوز، أوروبا، موجة حرائق غير مسبوقة تلتهم مساحات شاسعة من غاباتها وأراضيها الزراعية، لتتجاوز بذلك كل الأرقام المسجلة سابقًا. فمنذ بداية العام، التهمت النيران أكثر من 1.03 مليون هكتار، متخطيةً بذلك الذروة الكارثية التي شهدتها المنطقة عام 2017، والتي بلغت 988 ألف هكتار. وتتوقع التقارير أن يكون عام 2025 هو الأسوأ على الإطلاق منذ أن بدأ النظام الأوروبي لمعلومات حرائق الغابات في رصد هذه الظاهرة عام 2006، في إشارة واضحة إلى تفاقم الأزمة المناخية.

فرنسا وشبه الجزيرة الأيبيرية في عين العاصفة

لم تسلم دولة أوروبية من هذه الكارثة، فقد شهدت فرنسا حريقًا هائلًا في أغسطس بسلسلة جبال كوربيير، أتى على 17 ألف هكتار من الأراضي، واستدعى جهودًا مضنية لأكثر من ألفي رجل إطفاء. لكن تبقى شبه الجزيرة الأيبيرية، التي تضم إسبانيا والبرتغال، هي الأكثر تضررًا، حيث التهمت النيران حوالي 1% من إجمالي مساحتها، في مشهد يعكس حجم التحدي الذي تواجهه هذه الدول.

إسبانيا: مساحات شاسعة تحت الرماد

في إسبانيا، بلغت الأرقام حدًا مفزعًا، حيث احترق ما يقرب من 400 ألف هكتار، أي ما يعادل نصف مساحة جزيرة كورسيكا أو 0.8% من إجمالي مساحة البلاد، مع تسجيل 287 حريقًا ضخمًا. تركزت الكارثة بشكل خاص في مناطق قشتالة وليون، وإكستريمادورا، وجاليسيا، الواقعة في غرب وشمال غرب البلاد، مما جعل الحرائق تتصدر الأجندة السياسية، وسط تبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة حول المسؤولية.

ولم تقتصر الأزمة على تدمير الأراضي فحسب، بل امتدت لتخلف وراءها 18 مليون طن من الانبعاثات الكربونية، وهو رقم يتجاوز إجمالي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية لدولة بحجم كرواتيا، مما يبرز الأثر البيئي الخطير لهذه الكوارث الطبيعية.

البرتغال: دمار بيئي واسع وآثار عابرة للحدود

أما في البرتغال، فالوضع كان أكثر إثارة للقلق، حيث دُمرت 2.8% من أراضي البلاد، وفقًا لما أوردته صحيفة “لوفيجارو” الفرنسية. هذا الدمار الهائل لم يقتصر تأثيره على الأراضي المحترقة، بل امتد ليشمل الغلاف الجوي بأكمله، حيث تسبب دخان هذه الحرائق الضخمة، التي كانت مرئية بوضوح من الفضاء، في ارتفاع غير مسبوق بكميات ثاني أكسيد الكربون المنبعثة.

لقد جرى إطلاق 11 مليون طن من الغازات الدفيئة، الأمر الذي أدى إلى تدهور حاد في جودة الهواء بالمنطقة. ولم تتوقف آثار هذه الانبعاثات عند الحدود المحلية، بل حملتها الرياح الجنوبية لتصل إلى فرنسا والمملكة المتحدة، ناشرةً معها جسيمات دقيقة مسرطنة تُعرف بـ PM2.5، بتركيزات تجاوزت بكثير التوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، مما يهدد صحة الملايين.

تغير المناخ: المتهم الأول

مع استمرار هذه الكوارث، يُتوقع أن يتحطم الرقم القياسي لعام 2025 في السنوات القادمة، ليصبح مجرد تذكير بحجم التحدي. فنتيجةً لـ تغير المناخ، أصبحت موجات الحر حول العالم أطول وأكثر شدة بشكل لا يدع مجالًا للشك، مما يخلق بيئة مثالية لاندلاع حرائق الغابات وانتشارها السريع.

ويسهم ارتفاع درجات الحرارة في جفاف الغطاء النباتي، فضلًا عن انخفاض هطول الأمطار في العديد من المناطق، مما يحول الغابات إلى وقود جاهز للاشتعال. كما أن فصول الشتاء الدافئة وهجمات الآفات المختلفة تتسبب في إضعاف الأشجار والشجيرات وموتها، لتصبح أكثر عرضة للاحتراق. وبمجرد اندلاع الحريق، فإن غياب الأمطار وانخفاض الرطوبة والرياح القوية كلها عوامل تُهيئ الظروف المثالية لانتشار النار بشكل يصعب السيطرة عليه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *