فن

يوسف وهبي: عميد المسرح العربي.. 43 عامًا على رحيل الأسطورة

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

تحل اليوم، السابع عشر من أكتوبر، الذكرى الثالثة والأربعون لرحيل الفنان القدير يوسف وهبي، عميد المسرح العربي، الذي ترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الفن المصري والعربي. مسيرة فنية امتدت لأكثر من ستة عقود، جعلته رمزًا خالدًا ومؤسسًا حقيقيًا للعديد من الأنماط الفنية.

نشأة رائدة

وُلد يوسف عبد الله باشا وهبي عام 1898 بمحافظة الفيوم، لعائلة عريقة وثرية من الأعيان، حيث كان والده يشغل منصب مفتش ري. هذه النشأة المترفة لم تمنعه من السعي وراء شغفه الفني، رغم ما كان يحمله المجتمع آنذاك من نظرة متحفظة تجاه هذا المجال.

تلقى وهبي تعليمه الأولي في كُتَّاب العسيلي بمدينة الفيوم، ثم انتقل إلى المدرسة السعيدية بالجيزة، ومنها إلى المدرسة الزراعية بمشتهر. هذه الخلفية التعليمية المتنوعة ساهمت في تشكيل وعيه الثقافي، الذي انعكس لاحقًا على أعماله الفنية العميقة وتطوير المسرح.

شغف التمثيل ورحلة التكوين

بدأت علاقته بالتمثيل عندما شاهد فرقة الفنان اللبناني سليم القرداحي، ليتحول شغفه إلى هواية مبكرة تمثلت في إلقاء المونولوجات وأداء التمثيليات المدرسية. ورغم معارضة والده وعائلته التي رأت في التمثيل مجالًا غير لائق بمكانتهم الاجتماعية، إلا أن إصراره كان أقوى.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، اتخذ يوسف وهبي خطوة جريئة بالسفر إلى إيطاليا، حيث درس التمثيل والإخراج على يد كبار المسرحيين العالميين. هذه التجربة الأكاديمية صقلت موهبته وشكلت وعيه الفني، ليعود إلى مصر عام 1921 حاملًا رؤية جديدة للمسرح المصري.

تأسيس «رمسيس»… بصمة مسرحية

بدأ وهبي مشواره الاحترافي بالعمل في فرقتي حسن فايق وعزيز عيد، قبل أن يؤسس فرقته المسرحية الخاصة التي حملت اسم «رمسيس». هذه الفرقة أصبحت منارة للمسرح المصري، وقدمت أكثر من 300 مسرحية متنوعة، أثرت المشهد الفني.

من أبرز أعمال فرقته المسرحية: الموت المدني، المائدة الخضراء، ابن الفلاح، بنت مدارس، أولاد الشوارع، هارون الرشيد، وبيومي أفندي. هذه الأعمال لم تكن مجرد عروض، بل كانت محطات مهمة في تطوير أساليب الأداء والإخراج المسرحي في مصر.

ريادة السينما المصرية

لم يكتفِ وهبي بالمسرح، ففي عام 1930، أسس شركة «رمسيس فيلم» بالتعاون مع المخرج محمد كريم، ليدخل عالم السينما بقوة. أنتجت الشركة أول أفلامها «زينب»، لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت عام 1932 بفيلم أولاد الذوات، الذي يُعد علامة فارقة كأول فيلم عربي ناطق.

توالت أعماله السينمائية الناجحة، ليبلغ رصيده نحو 60 فيلمًا، منها أيقونات خالدة مثل: «غزل البنات»، «كرسي الاعتراف»، و«حياة أو موت». كان وهبي شخصية فنية مثقفة ومؤثرة، وأسهم بشكل كبير في تحديث السينما المصرية، حيث أدخل تقنيات جديدة وأسس قواعد لا تزال تدرس حتى اليوم.

تكريمات تتجاوز الحدود

نال يوسف وهبي مكانة استثنائية بين أبناء جيله، وحصد العديد من الأوسمة والتقديرات الرفيعة. من أبرزها رتبة البكوية من الملك فاروق، ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عام 1960، بالإضافة إلى جائزة الدولة التقديرية مرتين، والدكتوراه الفخرية.

ولعل التكريم الأبرز جاء من بابا الفاتيكان، الذي منحه وسام الدفاع عن الحقوق الكاثوليكية، ليصبح أول مسلم يحصل على هذا الشرف الرفيع. هذه التكريمات تعكس ليس فقط عبقريته الفنية، بل أيضًا تأثيره الإنساني والثقافي الواسع الذي تجاوز الحدود الدينية والجغرافية، ليظل فنانًا قديرًا.

رحل عميد المسرح العربي عن عالمنا عام 1982 عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد حياة حافلة بالعطاء الفني والإنساني، تاركًا إرثًا فنيًا لا يزال مصدر إلهام للأجيال المتعاقبة من الفنانين والمبدعين في مصر والعالم العربي. (الصورة من مركز التوثيق الفوتوغرافي).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *