في الحادي عشر من ديسمبر الماضي، ودّع عالم السيارات أحد مهندسيه المجهولين، جيمس مويلان، الذي وافته المنية عن عمر يناهز الثمانين عامًا في مستشفى هنري فورد بديترويت. قد لا يكون اسمه مألوفًا للكثيرين، لكن بصمته كانت حاسمة في ثمانينيات القرن الماضي، ولا يزال تأثيرها حاضرًا بقوة في كل سيارة نقودها اليوم، في تفصيلة صغيرة لكنها لا غنى عنها، تلك التفصيلة التي سهّلت حياتنا خلف المقود.
لم يكن مويلان رئيسًا لعلامة تجارية كبرى، ولا مدير تصميم، ولا حتى مديرًا فنيًا. لكنه قضى 34 عامًا من حياته المهنية في قسم الهندسة بشركة فورد، حيث قدم إسهامًا يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه كان ثوريًا بحق. فكرته تلك، التي جعلت حياتنا خلف المقود أسهل بكثير، غالبًا ما تمر دون أن ندرك حجم تأثيرها.
تعود شرارة الابتكار إلى يوم ممطر من أبريل عام 1986. كان مويلان يتزود بالوقود لسيارة من أسطول الشركة، لكنه فوجئ بأن غطاء خزان الوقود يقع على الجانب المعاكس لما اعتاد عليه، وبالتالي على الجانب الخاطئ من مضخة الوقود. بعد أن تبلل بالكامل في محاولته، لمعت في ذهنه فكرة بسيطة لكنها عبقرية: مؤشر داخل السيارة يذكّر السائق بموقع غطاء خزان الوقود.
لنفهم أهمية هذه الفكرة، يجب أن نتذكر أن السيارات في العقود السابقة لم تكن دائمًا تضع غطاء الوقود على الجانب الأيمن أو الأيسر. فبعض المركبات كانت تحتوي على غطاء الخزان في الجزء الخلفي منها. ورغم أن هذا التصميم قد يحمل بعض المزايا، إلا أنه كان ينطوي على مخاطر أمنية جسيمة، خاصة في حال التعرض لاصطدام من الخلف. وقد عانت فورد نفسها من هذه المشكلة في سبعينيات القرن الماضي، إثر الفضيحة الشهيرة لسيارتها فورد بينتو.
في اليوم ذاته، لم يضيّع مويلان وقتًا، بل سارع بتقديم اقتراح مرتجل مرفقًا برسم تخطيطي يوضح غطاء خزان وقود مفتوح. جاء في اقتراحه: «حتى لو كانت جميع منتجات فورد تضع غطاء الوقود في نفس المكان، فإن هذا الحل المريح يستحق الاستثمار الأدنى من الشركة، ليس فقط للعائلات التي تمتلك سيارتين، بل أيضًا للسيارات المشتركة، وسيارات الشركات، وخاصة عملاء تأجير السيارات».
بعد حوالي سبعة أشهر، تلقى مويلان ردًا من آر. إف. زوكاس، الذي كان آنذاك مدير تصميم الداخلية في فورد. في تلك الفترة، كانت الشركة تعمل على تطوير موديلات عام 1989، وقد أكد له زوكاس أن فكرته ستُنفذ. وهكذا، وُلد السهم الذي يشير إلى جانب غطاء خزان الوقود في سياراتنا، ذلك السهم الصغير الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من لوحات القيادة اليوم.
كانت فورد إسكورت وميركوري ترايسر لعام 1989 أولى السيارات في العالم التي احتضنت هذه الفكرة المبتكرة. ومع مرور الوقت، انتشر هذا الابتكار ليصبح سمة عالمية، فاليوم نجد هذا السهم بجانب مؤشر الوقود في معظم السيارات. تُعرف هذه التفصيلة بفخر باسم ‘سهم مويلان’، وهو ما أكدته عائلة جيمس في نعيه.
خلال مسيرته المهنية في فورد، سافر مويلان إلى أجزاء عديدة من العالم، بما في ذلك اليابان، حيث أدى مهامًا لشركة فورد في هيروشيما، تزامنًا مع الفترة التي كانت فيها فورد تمتلك جزءًا من أسهم مازدا. تقاعد مويلان في يوليو 2003، ليقضي وقته في الاستمتاع بالعديد من الأنشطة والرياضات، وخاصة التنس.
مع تزايد انتشار السيارات الكهربائية في الأسواق، بدأت الحاجة إلى هذا السهم تتضاءل، وفي بعض الحالات لم يعد يظهر في لوحة القيادة. فبعض السيارات الكهربائية، مثل طرازات سابقة من هوندا وكيا ونيسان، تضع منافذ الشحن في الواجهة الأمامية للسيارة.
ومع ذلك، لا تزال العديد من السيارات الكهربائية تحافظ على تقليد وضع منفذ الشحن على الجانب، سواء في الموقع المعتاد (كما هو الحال في هيونداي أيونيك 5) أو في الجزء الأمامي بالقرب من أقواس العجلات، وهو ما سنراه في عام 2026 مع إطلاق رينو توينجو إي-تيك.
سواء كانت السيارات تعمل بالوقود التقليدي أو بالكهرباء، فإن إرث مويلان يظل حاضرًا. فكرته البسيطة، التي ولدت من موقف يومي محبط، تحولت إلى معيار عالمي يعكس كيف يمكن لابتكار صغير أن يحدث فرقًا كبيرًا في تجربة القيادة اليومية. وداعًا لجيمس مويلان، الرجل الذي جعل التزود بالوقود أسهل على ملايين السائقين حول العالم.
