بعد 40 يومًا من الشلل الذي أصاب مفاصل الدولة، بدأت بوادر انفراجة تلوح في أفق الأزمة السياسية بواشنطن، حيث اقترب الإغلاق الحكومي الأمريكي الأطول في تاريخ البلاد من نهايته. ويأتي ذلك في أعقاب توصل مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين المعتدلين إلى اتفاق مبدئي مع الجمهوريين لإعادة فتح أبواب الحكومة الفيدرالية، في خطوة وصفتها دوائر سياسية بأنها “تسوية ضرورية” لتجنب المزيد من التداعيات الاقتصادية.
تفاصيل تسوية مؤقتة
يقضي الاتفاق، الذي لا يزال بحاجة إلى موافقة مجلسي الكونغرس، بتمرير تمويل كامل لوزارات حيوية كالزراعة وشؤون المحاربين القدامى، بينما سيتم تمديد تمويل باقي الوكالات الفيدرالية مؤقتًا حتى 30 يناير المقبل. هذه الصيغة تعكس محاولة لتجاوز الخلافات العميقة، مع ضمان استئناف صرف رواتب الموظفين الفيدراليين المتوقفة وإعادة الخدمات الحكومية الأساسية التي تأثرت بشدة خلال الأسابيع الماضية.
ورغم التفاؤل الحذر الذي أبداه الرئيس دونالد ترمب بتصريحه مساء الأحد بأن “الأمور تقترب من الحل”، فإن مسار إقرار الاتفاق النهائي لا يزال محفوفًا بالعقبات. ففي مجلس الشيوخ، يتطلب تمرير مشروع القانون موافقة جميع الأعضاء لتسريع الإجراءات، وهو ما يمنح أي عضو القدرة على عرقلة التصويت لأيام. أما في مجلس النواب، فقد أعلن رئيسه مايك جونسون أنه سيمنح النواب مهلة يومين للعودة، مما يشير إلى أن إعادة تفعيل الحكومة بالكامل لن تكون فورية.
خلاف “أوباماكير”: قلب الأزمة المؤجلة
يكشف هذا الاتفاق عن جوهر الانقسام السياسي الحاد في واشنطن، حيث لم يعالج القضية الخلافية الرئيسية المتمثلة في تمديد إعانات برنامج الرعاية الصحية “أوباماكير”. فقد أعلن قادة ديمقراطيون، وعلى رأسهم زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز، رفضهم القاطع لأي اتفاق لا يشمل هذه الإعانات، وهو ما يضع الاتفاق برمته على المحك. في المقابل، حصل الديمقراطيون المعتدلون في مجلس الشيوخ على تعهد جمهوري غامض بإجراء تصويت على القضية بحلول منتصف ديسمبر.
بحسب ما يرى الدكتور أحمد السيد، المحلل المتخصص في الشأن الأمريكي، فإن “هذا الاتفاق ليس انتصارًا لأي طرف، بل هو اعتراف بتكلفة الشلل السياسي الباهظة على الاقتصاد والمواطن الأمريكي. لقد نجح الجمهوريون في تجنب تضمين إعانات أوباماكير الآن، بينما استطاع الديمقراطيون إظهار أن الإغلاق أداة ضغط مكلفة للجميع، مما يؤجل المعركة الحقيقية ولا يلغيها”.
ضغوط اقتصادية متزايدة
يُعيد هذا المشهد إلى الأذهان مواجهات سابقة، مثل إغلاق عام 2013 وإغلاق 2018-2019، حيث انتهت محاولات استخدام الإغلاق الحكومي كأداة ضغط سياسي دون تحقيق مكاسب جوهرية للطرف المبادر. فالضغوط الاقتصادية المتزايدة لعبت دورًا حاسمًا في دفع الطرفين نحو طاولة المفاوضات. إذ يُقدر أن الإغلاق الحكومي الأمريكي يكلف الاقتصاد نحو 15 مليار دولار أسبوعيًا، وهو ما انعكس سلبًا على مؤشرات النمو وثقة المستهلكين التي هوت إلى أدنى مستوياتها منذ ثلاث سنوات.
وقد أدى توقف نشر البيانات الاقتصادية الحكومية إلى وضع الاحتياطي الفيدرالي في ما يشبه “الظلام المعلوماتي”، مما يعقد مهمته في إدارة السياسة النقدية في ظل ارتفاع معدلات التضخم والبطالة. هذه التداعيات، إلى جانب الفوضى التي شهدها قطاع الطيران مع اقتراب عطلة عيد الشكر، شكلت ضغطًا شعبيًا وسياسيًا لم يعد من الممكن تجاهله.
هدنة هشة ومعركة قادمة
في المحصلة، يبدو أن الاتفاق الحالي هو بمثابة هدنة مؤقتة أكثر من كونه حلاً جذريًا. لقد تمكنت واشنطن من تجنب الانهيار الكامل للخدمات الحكومية، لكنها أجلت فقط المواجهة الحتمية حول أولويات الإنفاق والرعاية الصحية. ومع اقتراب المواعيد النهائية الجديدة للتمويل، من المرجح أن يعود المشهد السياسي الأمريكي إلى حالة الاستقطاب ذاتها، مما يطرح تساؤلات حول قدرة النظام السياسي على تجاوز خلافاته العميقة وإدارة شؤون البلاد بفاعلية.
