نظرة متفائلة.. بنك الكويت الوطني يرفع توقعات نمو الاقتصاد المصري ويحدد مسار الجنيه والدين العام

في موجة من التفاؤل المدعوم بإصلاحات اقتصادية جريئة، رفع بنك الكويت الوطني تقديراته بشأن أداء الاقتصاد المصري المستقبلي. التقرير الجديد لا يكتفي برسم صورة وردية للنمو، بل يغوص في تفاصيل دقيقة ترسم ملامح المرحلة المقبلة من مسار الجنيه وبرنامج الطروحات الحكومية.
ووفقًا للموجز الاقتصادي الصادر عن البنك، تم تعديل توقعات نمو الاقتصاد في مصر للعام المالي 2025-2026 لترتفع إلى 4.7%، مقارنةً بالتوقعات السابقة التي كانت عند 4.2%. كما يتوقع التقرير أن يقفز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي إلى حوالي 408 مليارات دولار خلال نفس العام، في زيادة ملحوظة عن 359.9 مليار دولار المسجلة في العام المالي الماضي.
تأتي هذه التوقعات الإيجابية في أعقاب حزمة من الإجراءات الاقتصادية الحاسمة التي اتخذتها الحكومة المصرية، وعلى رأسها إبرام صفقة رأس الحكمة الاستثمارية الضخمة، وتحرير سعر الصرف بشكل كامل، والتوصل إلى اتفاق موسع مع صندوق النقد الدولي. هذه الخطوات لم تنجح فقط في توفير سيولة دولارية عاجلة، بل ساهمت أيضاً في استعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين الأجانب، وهو ما يفسر النظرة الأكثر تفاؤلاً لمستقبل الاقتصاد.
وأرجع البنك هذا النمو المتوقع إلى عدة محركات رئيسية، يأتي في مقدمتها الاستهلاك الخاص المدعوم بتحسن القوة الشرائية للمواطنين، إلى جانب ارتفاع وتيرة الاستثمار الخاص للعام الثاني على التوالي، مستفيدًا من انخفاض تكاليف الاقتراض المتوقعة مع استمرار سياسة التيسير النقدي.
محركات النمو.. من الاستهلاك إلى الاستثمار
أوضح تقرير بنك الكويت الوطني أن الانخفاض المرتقب في تكاليف الاقتراض، مصحوبًا بالمسار الهبوطي لمعدلات التضخم وزيادة الإنفاق الاجتماعي وتسارع نمو الأجور، سيعمل كداعم أساسي لتحقيق نمو الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط.
على صعيد آخر، من المتوقع أن تظل تحويلات المصريين العاملين بالخارج قوية، مما يصب في صالح دعم الطلب الاستهلاكي المحلي. كما يتوقع التقرير استمرار تعافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة بعد الإجراءات الأخيرة التي استهدفت معالجة الاختلالات في سوق الصرف الأجنبي.
برنامج الخصخصة.. تحول استراتيجي نحو حصص الأقلية
وفيما يتعلق ببرنامج الطروحات الحكومية، يرى بنك الكويت الوطني أن الخطة الحكومية تتجه نحو تعديل استراتيجيتها، بالتركيز على بيع حصص أقلية تتراوح بين 10% إلى 40% في البورصة المصرية، مع عدد محدود من المبيعات الاستراتيجية الكاملة.
ومن أبرز الطروحات المرتقبة بيع حصة تتراوح بين 30% و35% من بنك القاهرة، إلى جانب إدراجات جزئية لشركات مملوكة للدولة وجهاز الخدمة الوطنية، ومنها:
- صافي للمياه المعبأة
- الوطنية للبترول
- سيلو فودز للصناعات الغذائية
- تشيل أوت لمحطات الوقود
- ميدور لتكرير البترول
ويهدف برنامج الخصخصة المُعدَّل إلى جمع حوالي 3 مليارات دولار في العام المالي 2025-2026، وهو ما يعكس وتيرة أكثر تدرجًا مقارنة بالأهداف السابقة. ويسعى البرنامج ليس فقط لتوفير إيرادات، بل لتعميق سوق رأس المال المصري وجذب استثمارات جديدة.
الحساب الخارجي والاحتياطيات.. مؤشرات إيجابية تدعم التعافي
بدأت مؤشرات الحساب الخارجي لمصر تُظهر تحسنًا ملحوظًا، حيث انخفض عجز الحساب الجاري إلى 2.3 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025. ويعود هذا التحسن إلى تعافي الصادرات المصرية بفضل زيادة قدرتها التنافسية بعد تحرير سعر الصرف، إلى جانب قوة إيرادات قناة السويس والسياحة التي يُتوقع أن تتجاوز 16 مليار دولار.
وتشير توقعات البنك إلى أن الفجوة التمويلية البالغة 20 مليار دولار سيتم تغطيتها من خلال الاستثمار الأجنبي المباشر، وإصدارات الدين، ومدفوعات صندوق النقد. وبناءً على ذلك، من المتوقع أن يتجاوز صافي الاحتياطيات الدولية حاجز الـ 50 مليار دولار بحلول عام 2026.
الجنيه المصري.. استقرار حذر في مواجهة تحديات متعددة
استفاد الجنيه المصري من تدفقات النقد الأجنبي القوية، مما مكنه من الحفاظ على استقراره ضمن نطاق تداول يتراوح بين 47 و50 جنيهًا مقابل الدولار حتى نهاية عام 2025. لكن التقرير حذر من أن سعر صرف الجنيه قد يواجه بعض الضغوط خلال العام المقبل.
وتتمثل هذه التحديات في استمرار العجز بالحساب الجاري، وارتفاع التضخم مقارنة بالشركاء التجاريين، واحتمال تراجع تدفقات المحافظ الاستثمارية مع خفض أسعار الفائدة المحلية. هذه العوامل مجتمعة قد تدفع الجنيه نحو تراجع طفيف خلال العام القادم.
عجز الموازنة والدين العام.. مسار هبوطي بفضل الإصلاحات
على الصعيد المالي، يتوقع بنك الكويت الوطني أن يتراجع العجز المالي لمصر إلى 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2025-2026. ويستند هذا التحسن إلى نمو الإيرادات بنسبة 23% بفضل الإصلاحات الضريبية، وتراجع تكاليف خدمة الدين مع انخفاض عائدات السندات، وتقليص تكاليف دعم الطاقة.
ونتيجة لهذه العوامل، بالإضافة إلى الحفاظ على فائض أولي مستدام، من المرجح أن تنخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 85.6% بنهاية يونيو 2025 لتصل إلى حوالي 82% بنهاية يونيو 2026، مما يخفف من الضغوط على المالية العامة للدولة.
تحديات على الطريق.. مخاطر لا يمكن إغفالها
رغم النظرة المتفائلة، أشار التقرير إلى عدة مخاطر قد تهدد آفاق النمو، منها احتمال بقاء عوائد أذون الخزانة مرتفعة، أو تأخر تنفيذ برنامج الخصخصة. كما أن الاعتماد الكبير على تدفقات الأموال الساخنة، التي بلغت 42 مليار دولار، يجعل العملة عرضة لأي تغيرات في معنويات المستثمرين العالميين.
وأخيرًا، قد يؤدي أي تباطؤ في الطلب العالمي أو تصاعد للتوترات الجيوسياسية إلى الضغط على الصادرات وإيرادات قناة السويس والسياحة، مما قد يضعف الجنيه مجددًا ويعيد الاقتصاد إلى فترة من الضغوط المرتفعة.






