فن

مهرجان مراكش: سينما تواجه التاريخ

أفلام تعيد كتابة الذاكرة.. ما هي رسالة مراكش السينمائي للعالم؟

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

مهرجان مراكش: سينما تواجه التاريخ

تستعد مدينة مراكش لافتتاح دورتها الثانية والعشرين من مهرجانها السينمائي الدولي، وهو حدث لم يعد مجرد احتفالية فنية، بل تحول إلى منصة عالمية تُعرض عليها قصص الشعوب وهمومها. فمن 28 نوفمبر إلى 6 ديسمبر، ستتحول المدينة الحمراء إلى نافذة تطل على 31 دولة، عبر 82 فيلماً يحمل كل منها حكاية تستحق أن تُروى.

أصوات جديدة

في قلب المهرجان، تتنافس 14 موهبة سينمائية صاعدة على النجمة الذهبية المرموقة. اللافت في هذه المسابقة الرسمية أنها لا تبحث عن الأسماء الرنانة، بل عن الأصوات الجديدة التي تجرؤ على طرح الأسئلة الصعبة. أفلام أولى وثانية لمخرجيها، وكأنها صرخات فنية أولى تتناول مظالم العالم عبر حكايات شخصية، وهو ما يمنحها صدقاً وجرأة لافتة.

جروح الماضي

يأتي فيلم “خلف أشجار النخيل” للمخرجة المغربية مريم بن مبارك ليغوص في تعقيدات العلاقات الطبقية وإرث الماضي الاستعماري، في قالب نفسي مشوق. مشهد يبدو أكثر من مجرد مصادفة، إذ يعيد العديد من المخرجين المشاركين نبش فصول مؤلمة من تاريخ بلادهم؛ من تايوان تحت تهديد الحرب، إلى نيجيريا وأزمتها الانتخابية، وجنوب إفريقيا تحت وطأة الفصل العنصري. وكأن السينما تصر على فتح جروح لم تندمل بعد.

حيوية عربية

تبرز السينما العربية بقوة في هذه الدورة، وهو ما يعكس نضجاً متزايداً وحضوراً دولياً لافتاً. فإلى جانب المشاركات المغربية المكثفة، تعرض أقسام مثل “آفاق” أعمالاً عربية حصدت إشادات في محافل كبرى مثل كان وصندانس والبندقية. أفلام مثل “اللي باقي منك” و”كان يا ما كان في غزة” ليست مجرد مشاركات، بل هي شهادات فنية على واقع المنطقة المعقد.

رسائل سياسية

بحسب محللين، فإن اختيار فيلم “فلسطين 36” للمخرجة آن ماري جاسر ليكون فيلم الختام، يحمل دلالة رمزية وسياسية عميقة. ففي خضم الأحداث العالمية، يختار المهرجان أن يختتم فعالياته بقصة تصور “لحظة محورية في حياة الشعب الفلسطيني”، ما يجعله أكثر من مجرد حدث فني، بل موقف ثقافي واضح.

ما وراء الشاشة

إن نظرة فاحصة على برنامج مهرجان مراكش السينمائي تكشف عن توجه تحريري واضح: السينما كأداة لفهم العالم وليس للهروب منه. يرى مراقبون أن تركيز المهرجان على أفلام تتناول الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي، من الشيشان إلى ليبيا، هو محاولة لخلق حوار إنساني حول القضايا التي تفرقنا. وهنا تكمن قوة السينما الحقيقية؛ في قدرتها على بناء جسور من التعاطف والفهم حيث تفشل السياسة.

في النهاية، لا يقدم مهرجان مراكش مجرد أفلام، بل يقدم رؤية. رؤية تؤمن بأن الفن قادر على مواجهة التاريخ، وتحدي الظلم، وإعطاء صوت لمن لا صوت لهم. إنها رسالة مراكش إلى عالم يبحث عن قصص صادقة، رسالة مفادها أن السينما لا تزال ضمير الإنسانية الحي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *