فن

مهرجان القاهرة يكرم سامح عبد العزيز بفيلم من إخراج ابنته

دموع جميلة.. وسينما الفراق تخلّد ذكرى والدها

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في ليلة امتزجت فيها دموع الفقد بفخر الإرث الفني، شهد مسرح دار الأوبرا المصرية لحظة إنسانية فريدة خلال فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي. لم يكن مجرد عرض سينمائي، بل كان حوارًا صامتًا بين ابنة وأبيها الراحل، المخرج سامح عبد العزيز، عبر الشاشة الكبيرة. لحظة بدت فيها السينما وكأنها تعانق الحياة نفسها.

قدمت المخرجة الشابة جميلة سامح عبد العزيز فيلمها الأول «وجع الفراق»، وهو عمل قصير لم يتجاوز العشر دقائق، لكنه حمل ثقل سنوات من الذكريات والمشاعر. مع انتهاء العرض، لم تتمالك جميلة ووالدتها نفسيهما، فانهارتا في بكاء عميق عكس حجم الفراغ الذي تركه الراحل، في مشهد مؤثر صفق له الحضور طويلًا، احترامًا للفن وللحظة.

إرث الأب

قالت جميلة، بكلمات تحمل صدق التجربة: «كتبت الفيلم في اليوم التالي لرحيله مباشرةً». هنا يكمن جوهر العمل، فهو ليس مجرد مشروع تخرج أو بداية فنية، بل هو محاولة لترجمة أحاسيس مكبوتة إلى لغة كان والدها يتقنها. بحسب مقربين، فإن الفيلم يعكس رغبة الابنة في استكمال مسيرة والدها، ليس بتقليد أسلوبه، بل بالحفاظ على روحه الفنية حية.

شهادة الصديق

مشاركة الفنان خالد الصاوي، الذي جسد شخصية المخرج الراحل، أضافت بعدًا آخر للعمل. الصاوي، الذي تعاون مع عبد العزيز في أعمال أيقونية مثل «كباريه» و«الفرح»، لم يكن يؤدي دورًا بقدر ما كان يستحضر صديقًا. وعلق قائلًا: «وجدت في الفيلم فرصة لتقديم شخصيته التي لم يكن لها مثيل»، وهي شهادة تؤكد أن بصمة سامح عبد العزيز لم تكن فنية فقط، بل إنسانية أيضًا.

بصمة فنية

يُعد سامح عبد العزيز، الذي رحل تاركًا فراغًا في الساحة، واحدًا من المخرجين القلائل الذين برعوا في قراءة نبض الشارع المصري وتحويله إلى سينما حية. لم تكن أعماله مجرد أفلام، بل كانت بورتريهات اجتماعية جريئة، من «كباريه» الذي كشف عوالم مسكوتًا عنها، إلى «الفرح» الذي غاص في تفاصيل الطبقة الشعبية. يرى نقاد أن سر نجاحه يكمن في قدرته على الموازنة بين الفيلم التجاري ذي القيمة الفنية والرسالة الاجتماعية.

ما وراء الكاميرا

بعيدًا عن ضجيج مواقع التصوير، كانت حياة سامح عبد العزيز مليئة بالتفاصيل التي شكلت وعيه الفني. بدأ رحلته من التلفزيون المصري، مرورًا بالقنوات الفضائية، قبل أن يجد شغفه الحقيقي في الإخراج السينمائي. هذه الخلفية التلفزيونية منحته، كما يقول محللون، سرعة في الإيقاع وقدرة على جذب المشاهد، وهي مهارات صقلها في أفلامه المتنوعة بين الكوميديا مثل «تيتة رهيبة» والدراما الاجتماعية مثل «حرب أهلية».

في الختام، لم يكن تكريم مهرجان القاهرة لسامح عبد العزيز مجرد لفتة تقدير لمخرج راحل، بل كان احتفاءً بفكرة استمرارية الفن وتوريث الشغف. فبينما غاب الجسد، بقيت الروح تتجسد في أعماله، والآن في أولى خطوات ابنته على الدرب نفسه. ربما هذا هو الخلود الحقيقي الذي يمنحه الفن لصانعيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *