اقتصاد

ملف خاص: كبار السن في مصر.. أرقام ترسم ملامح الحاضر وتحديات المستقبل

في يومهم العالمي، تتجه الأنظار إلى شريحة غالية من مجتمعنا، أولئك الذين يحملون حكمة السنين وخبرة الحياة. فمع اقتراب كبار السن في مصر من حاجز الـ 10 ملايين نسمة، لم يعد الحديث عنهم مجرد أرقام إحصائية، بل قصة وطن تتغير ملامحه الديموغرافية، وتفرض واقعًا جديدًا يتطلب سياسات أكثر عمقًا وإنسانية.

بمناسبة اليوم العالمي للمسنين، الذي يوافق الأول من أكتوبر، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقريرًا شاملًا يرسم صورة بانورامية لأوضاع هذه الفئة، ويكشف عن تحولات دقيقة في التركيبة السكانية والاجتماعية المصرية، وهو ما يتناغم مع التوجه العالمي الذي حذرت منه الأمم المتحدة من تزايد أعداد المسنين، خاصة في الدول النامية.

زيادة مطردة.. مصر على أعتاب مجتمع يشيخ بوقار

تكشف الأرقام الرسمية عن حقيقة واضحة: قاعدة الهرم السكاني في مصر تتسع لأعلى. فمن المتوقع أن يرتفع عدد كبار السن (من هم في عمر 60 عامًا فأكثر) من 9.3 مليون نسمة في عام 2024، ليشكلوا ما نسبته 8.8% من إجمالي السكان، إلى حوالي 9.8 مليون نسمة في عام 2025، لترتفع نسبتهم إلى 9.1% من إجمالي سكان مصر. هذا النمو ليس مجرد زيادة عددية، بل هو مؤشر على تحسن الرعاية الصحية الذي انعكس إيجابًا على متوسط العمر المتوقع.

وتظهر البيانات تفوقًا طفيفًا في أعداد السيدات المسنات، حيث من المتوقع أن يصل عددهن إلى 4.9 مليون سيدة بنسبة 9.4% من إجمالي الإناث، مقابل 4.8 مليون رجل مسن بنسبة 8.5% من إجمالي الذكور. هذا التحول الديموغرافي يضع على عاتق الدولة والمجتمع مسؤولية التخطيط لمستقبل تزداد فيه الحاجة إلى خدمات متخصصة في رعاية المسنين ودعمهم.

مؤشرات الأمل: ارتفاع متوسط العمر المتوقع

في دلالة إيجابية، تشير الإسقاطات السكانية إلى استمرار ارتفاع متوسط العمر المتوقع عند الميلاد. فبالنسبة للذكور، ارتفع من 69.1 سنة في 2024 إلى 69.4 سنة في 2025، وبالنسبة للإناث، ارتفع من 74.1 سنة إلى 74.4 سنة خلال نفس الفترة. هذا التقدم يعكس الجهود المبذولة في القطاع الصحي، ولكنه يطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بضمان جودة الحياة في سنوات العمر المتقدمة.

من هم كبار السن في مصر؟ صورة مقربة للحياة بعد الستين

خلافًا للصورة النمطية، فإن الوصول إلى سن التقاعد لا يعني بالضرورة نهاية العطاء. يكشف مسح القوى العاملة لعام 2024 أن هناك حوالي 1.3 مليون مسن لا يزالون في ميدان العمل، يمثلون 14.4% من إجمالي كبار السن. هؤلاء هم أصحاب الخبرات الذين يواصلون المساهمة في عجلة الاقتصاد، خاصة في قطاعات حيوية مثل الزراعة والصيد التي تستقطب نحو 48% منهم، تليها التجارة بنسبة 18.5%.

وعلى صعيد التعليم، ورغم أن نسبة الأمية بين كبار السن لا تزال مرتفعة وتبلغ 52.4%، إلا أنها تشهد انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، مع وجود فجوة واضحة بين الجنسين (39% للذكور مقابل 66.6% للإناث). وفي المقابل، هناك شريحة مضيئة من المتعلمين، حيث يحمل 10.1% من كبار السن مؤهلات جامعية عليا، مما يؤكد على تنوع هذه الفئة وعدم إمكانية وضعها في قالب واحد.

مؤشرات الحياة.. بصمات كبار السن في سجلات المجتمع

لا تتوقف بصمات كبار السن عند الجانب الاقتصادي، بل تمتد لتشمل المؤشرات الحيوية والاجتماعية. فقد شهدت معدلات الوفيات بينهم انخفاضًا إيجابيًا من 44.9 حالة لكل ألف مسن في 2022 إلى 41.8 في 2024، وهو ما يعزز فكرة تحسن الظروف الصحية العامة. أما على الصعيد الاجتماعي، فتكشف الأرقام عن ديناميكيات مثيرة للاهتمام:

  • الزواج: شكلت عقود الزواج التي يكون أحد طرفيها من كبار السن نسبة 2.1% من إجمالي عقود الزواج في البلاد.
  • الطلاق: على الجانب الآخر، بلغت نسبة إشهادات الطلاق بينهم 10.5% من إجمالي حالات الطلاق، وهو رقم لافت يستدعي النظر في الأسباب الاجتماعية والنفسية الكامنة وراءه.

في النهاية، تقدم هذه الأرقام قراءة عميقة لواقع الشيخوخة في مصر، فهي ليست مجرد نهاية مرحلة، بل بداية لمرحلة جديدة بمتطلباتها وتحدياتها وفرصها. إن فهم هذا الواقع والتعامل معه برؤية إنسانية شاملة هو السبيل لبناء مجتمع يقدر حكمة الأجداد ويضمن لهم حياة كريمة ومستقرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *