مفترق طرق عالمي: الخليج وأوكرانيا والقطب الشمالي.. نقاط التقاء أزمة جيوسياسية واقتصادية

توترات متصاعدة في الشرق الأوسط وأوكرانيا والقطب الشمالي ترسم ملامح مرحلة جديدة من المخاطر المتداخلة.

صحفي في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

تبدو الساحة الجيوسياسية العالمية على شفا مفترق طرق جديد. فبينما تحشد الولايات المتحدة قوة بحرية ضخمة تضم مدمرات وسفن دعم وآلاف الجنود باتجاه الخليج الفارسي، يؤكد الكرملين أن أي سلام في أوكرانيا يستلزم انسحاب كييف من دونباس، وهو شرط يعتبره لا رجعة فيه. وفي خضم هذا التوتر، تتأرجح حلف شمال الأطلسي (الناتو) بين الولاء لواشنطن وضغوط الشركاء أوكرانيا وتزايد الشكوك لدى بعض العواصم الأوروبية. يواجه تحالف ما بعد الحرب الباردة واقعًا لم يعد يتحكم فيه بالكامل، والنتيجة واضحة: يدخل التوازن العالمي مرحلة من المخاطر المتداخلة، حيث تتقاطع قضايا الشرق الأوسط وأوكرانيا والقطب الشمالي في معادلة استراتيجية واقتصادية واحدة.

حشد بحري برسالة إلى طهران

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من على متن طائرته الرئاسية “إير فورس وان”، إرسال “أسطول كبير” إلى مناطق حيوية في الشرق الأوسط. وتتحدث مصادر عسكرية عن تشكيل قد يضم مجموعة قتالية أو اثنتين، إلى جانب عدة مدمرات وسفن إمداد، بالإضافة إلى قدرات جوية قادرة على العمل لمسافة تتجاوز 1500 كيلومتر. وقد باتت صورة هذا الأسطول وهو يتقدم بتشكيلاته رمزًا لتصاعد التوتر في منطقة الخليج.

تهدف واشنطن، وفقًا لتصريحاتها، إلى تحقيق هدفين رئيسيين: مراقبة الأنشطة الإيرانية عن كثب، وردع أي تحرك قد يهدد الملاحة البحرية أو مصالح الحلفاء الإقليميين. الرسالة واضحة لا لبس فيها: الولايات المتحدة لن تتخلى عن دورها كضامن لأمن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي.

يحمل هذا الحشد العسكري بعدًا اقتصاديًا فوريًا. فكل ارتفاع في علاوة المخاطر الجيوسياسية بالمنطقة ينعكس على أسعار الطاقة بارتفاعات جديدة، ويزيد من الضغوط التضخمية، ويضيف أعباءً إضافية على اقتصادات لم تستوعب بعد بشكل كامل تداعيات الأزمات السابقة.

ردع أم حرب مفتوحة: توازن واشنطن الدقيق

رغم لهجة ترامب الحازمة، أصر الرئيس على تفضيله تجنب المواجهة المباشرة مع إيران. وتسعى الإدارة الأمريكية إلى الحفاظ على خط دقيق ومعقد: إظهار القوة الكافية لاحتواء طهران، دون تجاوز العتبة التي قد تشعل صراعًا مفتوحًا يجر المنطقة بأكملها.

“نحن مستعدون لأي سيناريو، لكننا لا نسعى للحرب”، هذه العبارة تتكرر في الأوساط الرئاسية، وتعكس خطابًا يمثل توازنًا هشًا. فمن جهة، ينشر البنتاغون قدرات هجومية تشمل صواريخ كروز وطائرات حاملة وأنظمة دفاع تسمح بالرد السريع. ومن جهة أخرى، فإن الحسابات السياسية واضحة: صراع واسع النطاق في الخليج قد يدفع أسعار النفط الخام لتتجاوز 80-90 دولارًا للبرميل، مما يهدد التعافي الاقتصادي العالمي ويزيد من الضغط على الميزانية العامة الأمريكية، التي تواجه بالفعل عجزًا يقترب من 7% من الناتج المحلي الإجمالي.

المعضلة معروفة، لكنها تبدو أكثر حدة في هذه الأزمة مقارنة بسابقاتها: فكل بادرة ردع تحمل تكلفة اقتصادية وسمعة، وكل ضبط للنفس قد يفسره بعض الفاعلين، المستعدين لاختبار الخطوط الحمراء لواشنطن، على أنه ضعف.

موسكو تضع خطوطًا حمراء غير قابلة للتغيير في دونباس

بالتزامن مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط، يعود الملف الأوكراني إلى الواجهة الدبلوماسية. وقد كسر الاجتماع الثلاثي في الإمارات العربية المتحدة بين ممثلي روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة —وهو الأول منذ بدء الصراع— أشهرًا من الجمود السياسي. ومع ذلك، فإن نقطة الانطلاق الروسية لا تترك مجالًا للشك: أي حل دائم يتطلب انسحابًا أوكرانيًا من دونباس.

بالنسبة للكرملين، هذا الشرط ذو بعد عسكري ورمزي في آن واحد. فالتخلي عن السيطرة على المنطقة يعني الإقرار بهزيمة استراتيجية بعد سنوات من التكاليف البشرية والاقتصادية والسياسية. لذلك، تُقدم روسيا موقفها على أنه “غير قابل للتفاوض”، مما يعقد أي تقدم حقيقي يتجاوز تبادل الأسرى أو الاتفاقات المحدودة.

من جانب كييف، يأتي التفسير معاكسًا تمامًا: قبول هذا المطلب يعني تقسيم البلاد وفتح سابقة قد يحاول فاعلون آخرون تكرارها. الدبلوماسية تتحرك، لكن المواقف لا تزال متصلبة عند أقصى درجات المطالب. النتيجة العملية هي سيناريو حرب طويلة الأمد، مع خطوط تماس مستقرة نسبيًا، ولكن مع استنزاف مستمر يستنزف الموارد ويؤثر على ميزانيات الدفاع في جميع أنحاء أوروبا.

دبلوماسية بطيئة وحرب طويلة وتكلفتها الاقتصادية على أوروبا

تُظهر المحادثات في الإمارات واقعًا مزعجًا للغرب: فالصراع في أوكرانيا يدخل مرحلة تتزامن فيها المفاوضات البطيئة مع ميدان معركة نشط. هذا المزيج يقوض قدرة الاتحاد الأوروبي على التخطيط على المدى المتوسط. وكل عام إضافي من الحرب يعني مليارات اليوروهات من المساعدات العسكرية والمالية، بالإضافة إلى عقوبات تعيد ترتيب تدفقات الطاقة والتجارة.

تخصص الدول الأوروبية حاليًا ما يقرب من 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع في المتوسط، مع اقتراب بعض الشركاء الشرقيين من 3%، وهو مستوى يتجاوز بكثير مستوياتهم التاريخية. يضغط هذا الجهد على بنود إنفاق أخرى —مثل الصحة والتعليم والانتقال الطاقوي— ويغذي نقاشات سياسية داخلية. ويثير التباين مع الولايات المتحدة، التي تجمع بين دعم كييف وأجندتها الخاصة في آسيا والشرق الأوسط، تساؤلات حول التوزيع الفعلي للأعباء داخل حلف الناتو.

الخلاصة واضحة: حرب طويلة الأمد مصحوبة بدبلوماسية بطيئة تعزز بيئة اقتصادية ذات رؤية منخفضة، حيث تعمل الشركات والمستثمرون بعلاوة مخاطر أعلى، ويؤجلون قرارات الاستثمار، ويطالبون بعوائد أكبر لتمويل المشاريع في القطاعات الحساسة للجيوسياسة.

جرينلاند: الشرخ الصامت داخل الناتو

يضاف إلى هذا المشهد عنصر أقل وضوحًا ولكنه قد يكون متفجرًا: جزيرة جرينلاند. يُنتظر رد الدنمارك بشأن خطة مشتركة مع حلف الناتو تتعلق بالجزيرة، التي تُعد قطعة استراتيجية لموقعها في القطب الشمالي ومواردها الطبيعية. وقد صرح ترامب مسبقًا بأن الولايات المتحدة ستتصرف وفقًا لمصالحها الأمنية الخاصة، دون الرضوخ لضغوط خارجية.

جرينلاند ليست مجرد أرض نائية؛ إنها نقطة محورية للتحكم في المسارات الجوية والبحرية، ولأنظمة الإنذار المبكر، ولاستغلال المعادن الحيوية مستقبلًا. ويحول الاهتمام المتزايد من الصين وروسيا بالقطب الشمالي أي تحرك في المنطقة إلى مسألة أمن قومي لواشنطن.

في هذا السياق، يبدو التحالف الغربي منقسمًا. يخشى بعض الحلفاء أن تعطي الأجندة الأمريكية الأولوية للمشاريع العسكرية وموارد الطاقة على حساب الحساسيات المحلية والتنسيق السياسي. وهكذا، يعمل النقاش حول جرينلاند كمقياس للتماسك الحقيقي لحلف الناتو في مواجهة تحديات لم تعد تقتصر على الجناح الشرقي لأوروبا.

الطاقة، طرق القطب الشمالي، والمعادلة الجيواقتصادية الجديدة

يحمل النزاع الصامت حول جرينلاند مكونًا اقتصاديًا بالغ الأهمية. فذوبان الجليد في القطب الشمالي يفتح مسارات بحرية جديدة قد تقلل أوقات النقل بين آسيا وأوروبا بنسبة 30%. والتحكم في هذه الممرات يعني التأثير على سلاسل التوريد، وتكاليف اللوجستيات، وفي نهاية المطاف، على التنافسية العالمية.

علاوة على ذلك، تُعتبر الجزيرة ومحيطها غنية بالمعادن الاستراتيجية —مثل المعادن الأرضية النادرة، واليورانيوم، والزنك— وهي ضرورية للانتقال الطاقوي والصناعات التكنولوجية. وتسعى الولايات المتحدة لمنع الصين أو أي فاعلين آخرين من تأمين مواقع سيطرة في استخراجها ومعالجتها.

يضاف الصراع على القطب الشمالي إلى معادلة الطاقة المتوترة بالفعل بسبب الخليج الفارسي وأوكرانيا. فإذا ردت إيران على الضغط البحري بتحركات في مضيق هرمز، وحافظت روسيا على سيطرتها على طرق الغاز الرئيسية، ستجد أوروبا نفسها محاصرة بين ثلاث جبهات طاقوية متزامنة: الشرق الأوسط، والشرق، والشمال. التشخيص لا لبس فيه: لقد أصبحت الجيوسياسة المتغير الأثقل وزنًا في فاتورة الطاقة وفي قرارات الاستثمار طويلة الأجل.

يفتح تقاطع هذه الأزمات ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول، وهو “الاحتواء المتوتر”، يتوقع استمرار انتشار الأسطول الأمريكي دون اشتباك مباشر مع إيران، وحرب مواقع في أوكرانيا، وحلف ناتو يحافظ على الحد الأدنى الضروري من الوحدة رغم الاحتكاكات حول جرينلاند. يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، لكنه أيضًا يعزز عالمًا يتسم بتقلبات عالية ونمو منخفض.

السيناريو الثاني هو “التصعيد المتحكم فيه”: حوادث في الخليج، هجمات محدودة، أو أعمال تخريب تدفع أسعار النفط لتتجاوز 90 دولارًا، مما يجبر البنوك المركزية على الإبقاء على سياسات نقدية تقييدية لفترة أطول. وإذا تزامن ذلك مع تكثيف للقتال في أوكرانيا وصراع سياسي مفتوح بين شركاء الناتو، فإن التأثير على الأسواق والتجارة سيكون كبيرًا.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالًا لكنه الأكثر فتكًا، فهو “الانهيار”: خطأ في التقدير بالشرق الأوسط، انهيار للمحادثات حول أوكرانيا، وأزمة مفتوحة داخل الحلف الأطلسي بسبب ملف جرينلاند. في هذه الحالة، قد يدخل النظام العالمي الحالي —الذي يعاني بالفعل من التآكل— مرحلة إعادة تشكيل متسارعة، مع تكتلات أكثر تحديدًا وتراجع للعولمة كما عُرفت في العقود الأخيرة.

Exit mobile version