الأخبار

مسرحية قانونية هزلية: تحقيق جيش الاحتلال في استهداف مسعفي رفح يثير سخرية قانونية دولية

كتب: أحمد المصري

في تحليل قانوني دقيق، وصف الدكتور محمد محمود مهران، الخبير في القانون الدولي، نتائج التحقيق الأولية التي أعلنها جيش الاحتلال الإسرائيلي بشأن استهداف الطواقم الطبية الفلسطينية في رفح بأنها “مسرحية قانونية هزلية مكشوفة” تهدف إلى حماية مرتكبي جرائم حرب من الملاحقة الدولية. تُرى هذه التحقيقات كجزء من نمط إسرائيلي ممنهج للالتفاف على القانون الدولي الإنساني وإفراغه من مضمونه.

تحقيقٌ شكليٌّ أم ستارٌ قانوني؟

يعتقد الدكتور مهران أن هذه النتائج محاولة مكشوفة لتقييد يد المحكمة الجنائية الدولية، التي تحقق في جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة، من خلال تطبيق مبدأ التكامل القضائي بشكلٍ مُشوّه. فإجراء تأديبي بسيط، مثل عزل ضابط واحد دون توجيه تهم جنائية، في جريمة بهذه الخطورة، يُعدّ دليلاً واضحًا على أن التحقيق لا يهدف إلى تحقيق العدالة، بل إلى حماية المتورطين من الملاحقة.

تناقضاتٌ تُنسفُ مصداقيةَ التحقيق

أشار الدكتور مهران إلى تناقضات جوهرية تُضعف مصداقية التحقيق. فكيف يُعقل الادعاء بمحدودية الرؤية، بينما يعترف الجيش الإسرائيلي بقراره المتعمد تدمير السيارات الفلسطينية؟ وكيف يُمكن تبرير قرار تغطية الجثث تمهيدًا لنقلها، في حين تُظهر الأدلة المرئية والشهادات إطلاق النار المباشر على الفرق الطبية التي ترتدي شاراتها الدولية المميزة؟

تدميرُ الأدلةِ جريمةٌ بحدِّ ذاتها

اعتراف الجيش الإسرائيلي بأن قرار تدمير السيارات الفلسطينية كان خاطئًا يُعدّ، في حقيقته، اعترافًا بجريمة تدمير الأدلة وطمس معالم مسرح الجريمة، ما يُضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي تُشير إلى نية إجرامية مُبيّتة.

الكذبُ المُتعمَّدُ دليلٌ إدانة

أما اعتراف الجنود بالكذب في التحقيقات الأولية، فيجب قراءته في سياقه الصحيح كدليل على وجود نية جرمية، وليس عاملاً مُخفِّفًا. فهذا الكذب يُظهر وعيًا بخطورة الفعل المرتكب، ويمثل، في المنظور القانوني، عنصرًا من عناصر الإثبات على العلم المُسبق بعدم مشروعية الفعل، ما يُعزز أركان المسؤولية الجنائية الفردية.

رفحُ حلقةٌ في سلسلةِ انتهاكاتٍ مُمنهجة

يجب النظر إلى حادثة رفح ضمن سياق أوسع من الهجمات الممنهجة ضد المرافق والطواقم الطبية. تدمير سيارات الإسعاف يُعدّ انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف. وقد وثّقت منظمات دولية محايدة استهداف أكثر من 100 سيارة إسعاف منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة. هذا الاستهداف الممنهج للمنشآت والطواقم الطبية يرقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي لا تسقط بالتقادم، وتستوجب ملاحقة المنفذين المباشرين والمسؤولين في التسلسل القيادي الذين أصدروا الأوامر أو سمحوا بهذه الممارسات.

توقيتٌ مُريبٌ للتحقيق

توقيت إعلان نتائج هذه التحقيقات ليس من قبيل الصدفة. فهو يأتي بعد تحركات المحكمة الجنائية الدولية لإصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، مما يكشف عن محاولة إسرائيلية لاستغلال مبدأ التكامل القضائي للإفلات من العقاب. لكن فقه المحكمة الجنائية الدولية يُقرّ بأن التحقيقات الوطنية التي تهدف إلى حماية المتهمين أو التي تفتقر إلى الجدية والاستقلالية لا تمنع المحكمة من ممارسة اختصاصها، وهو ما ينطبق على الحالة الإسرائيلية.

ضرورةُ تحقيقٍ دوليٍّ مُستقل

هذه النتائج الهزلية تُؤكد الحاجة الماسة لتحقيق دولي مستقل في جميع الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، وخاصة استهداف الطواقم الطبية والصحفيين والمنشآت المحمية بموجب القانون الدولي الإنساني. لقد حان الوقت للمجتمع الدولي لاتخاذ خطوات جادة وحاسمة لوضع حد لإفلات إسرائيل من العقاب، من خلال دعم جهود المحكمة الجنائية الدولية والضغط عليها للمضي قدمًا في تحقيقاتها دون تأخير أو ضغوط سياسية.

إجراءاتٌ تأديبيةٌ هزيلة

يُذكر أن جيش الاحتلال أعلن عن إجراءات تأديبية اقتصرت على عزل نائب قائد سرية من لواء غولاني، معترفًا بأن جنوده أساؤوا التصرف وكذبوا في التحقيقات، لكنه نفى ارتكاب جريمة الإعدام الميداني المتعمد للطواقم الطبية، مُتذرّعًا بحجج واهية مثل محدودية الرؤية وعدم التعرف على سيارات الإسعاف. وتأتي هذه النتائج وسط تصاعد الدعوات الدولية لمحاسبة إسرائيل على جرائمها في غزة، حيث أكدت تقارير خبراء الأمم المتحدة وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن قوات الاحتلال ارتكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، مما يعزز المطالبات بملاحقة قادة الاحتلال أمام القضاء الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *