مسابقة سميثسونيان للتصوير: أين تاهت الحقيقة بين الألوان والادعاء؟
هل اختُزل الفن إلى مجرد لقطات مدهشة خالية من الروح؟

تعلن نتائج مسابقة سميثسونيان السنوية للتصوير الفوتوغرافي في دورتها الثالثة والعشرين، تلك التي زعموا أنها تُبرز “اللحظات الحميمة” و”الألوان الجريئة”؛ تصدم المتلقي بوابل من لقطات، تروي تفاصيل دقيقة، لكنها غالبًا ما تُسقط العُمق لصالح الإبهار البصريّ المتقَن، مُحاولةً عرجاء لاستخلاص جوهرٍ من مجرد لمحاتٍ سريعة، بعيدًا عن الروح. الجائزة الكبرى، “متمردو البانك”، تظهر فراخ مالك الحزين تتشاجر في عش بولاية نيوجيرسي، تصفها عدسة جاكلين بيرك بأنها “مليئة بالطاقة والفردية”، لكنها في جوهرها لا تتعدى مشهدًا حيوانيًا عاديًا، أُلبِس عنوانًا مستعارًا ليزيد من ثقله الثقافي المصطنع. سبعة عشر ألف مشاركة من مئة وثماني دول، هذا السيل الجارف من الصور، يتبخر ليتحول إلى بضعة أعمال تُنتخب بحكم لجان، أو بتصويت جماهيري عابر، فيتحول معيار “الفنية” إلى سلعة تُباع وتُشترى، لا أكثر. أين ذهبت تلك اللحظة التي كانت الصورة فيها تتنفس، تتكلم، دون الحاجة إلى نص يفسرها أو عنوان يزينها؟
التباين حاد. صور تلاحق طقوسًا روحانية في فاراناسي، وأخرى احتفالات مسيحية في صقلية، أو حتى فتاة نافاجو عند عتبة الأنوثة؛ كلها لقطات تحمل ثقلًا سرديًا واعدًا. لكنها غالبًا ما تقدم للمشاهد، خاصة الغربي، لمحة مقتضبة، سطحية، عن عوالم شديدة التعقيد، اختُزلت في لحظة واحدة، تُجير قرونًا من التاريخ والتفاصيل. هل تُقدم هذه الصور فهمًا حقيقيًا للثقافات، أم أنها تُرسّخ نظرةً استشراقيةً متجددةً، حيث يصبح “الآخر” مجرد زينة بصرية لعدسة احترافية؟ حتى صورة الحرباء الملونة في جنوب إفريقيا، أو مركز أوبو للبحث والتطوير بتصميمه الدائري في الصين، رغم دهشتها البصرية، فإنها تُجرّد تعقيدات البيئة والتطور العمراني إلى مجرد تكوينات لونية وشكلية. أين الحكاية التي لا تتطلب تعليقًا مطولًا؟ أين الوجع الإنساني الذي يصرخ من خلف الألوان الزاهية؟
في ختام المطاف، ما يتبقى ليس سوى احتفالٍ مُبهرٍ بمهارة التقاط الضوء. ليست براعة كشف الحقيقة. هل هذا هو الفنّ، يا تُرى؟ لقطاتٌ صاخبة باللون، صامتة بالروح.









