قيود المعادن النادرة الصينية توحد العالم ضد بكين
كيف أدت خطوة بكين الأخيرة بشأن المعادن الحيوية إلى تشكيل جبهة دولية مضادة بقيادة واشنطن؟

في تحول لافت لموازين القوى الاقتصادية، أثارت قيود التصدير الصينية على المعادن النادرة موجة رفض عالمية، محولة الأنظار من حرب الرسوم الجمركية الأمريكية إلى تشكيل جبهة موحدة لمواجهة نفوذ بكين المتزايد. فبعد أن أدت سياسات الرئيس دونالد ترمب الجمركية إلى نفور حلفاء واشنطن، تأتي الخطوة الصينية لتعيد ترتيب التحالفات من جديد.
هيمن قرار بكين بفرض قيود غير مسبوقة على سلاسل توريد المعادن النادرة على اجتماعات قادة الاقتصاد العالمي في واشنطن هذا الأسبوع. هذه الخطوة، التي تبدو كرد فعل على الضغوط الأمريكية، تحمل في طياتها طموحًا للتحكم في شرايين الصناعات التكنولوجية العالمية، مما دفع القوى الكبرى إلى التحرك بشكل منسق لمواجهة ما تعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها الاقتصادي.
جبهة دولية موحدة
كشف وزير الخزانة سكوت بيسنت عن ملامح تحالف جديد، مؤكدًا أن المسؤولين الأمريكيين يتواصلون مع حلفائهم في أوروبا، بالإضافة إلى أستراليا وكندا والهند والديمقراطيات الآسيوية، بهدف صياغة رد شامل. وتوقع بيسنت تصديًا عالميًا واسع النطاق للقيود الصينية الجديدة، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن لن تكون وحدها في هذه المواجهة.
على نفس الخط، دعا وزير المالية الياباني كاتسونوبو كاتو دول مجموعة السبع إلى “التكاتف والتحرك”، بينما أشار نظيره الألماني إلى أن التكتل الأوروبي يدرس رد فعل جماعي. وفي خطوة عملية، يتجه رئيس الوزراء الأسترالي لواشنطن الأسبوع المقبل للتفاوض حول اتفاق لتأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية، مما يعكس سعي الدول الحثيث لتنويع مصادرها بعيدًا عن الهيمنة الصينية.
تحول استراتيجي في الحرب التجارية
يمثل هذا الإجماع الدولي تحولًا جذريًا عن المشهد الذي ساد قبل ستة أشهر فقط، حين كان الرئيس شي جين بينغ يقود حملة لحشد الدعم ضد الرسوم الجمركية الأمريكية. وبينما تبرر بكين إجراءاتها بأنها رد على ضوابط واشنطن، فإن تطبيقها يلزم حتى المصدرين الأجانب بالحصول على تراخيص لشحن أي منتجات تحتوي على معادن صينية، وهو ما يوسع نطاق السيطرة بشكل غير مسبوق.
ويرى كريستوفر بيدور، نائب مدير أبحاث الصين في “غافيكال دراغونوميكس”، أن “الخطر الأكبر يكمن في أن تبالغ الحكومة الصينية في استخدام نفوذها”. ويضيف أن تعطيل سلاسل التوريد العالمية قد يظهر بكين كقوة تعرض مصالح دول عديدة للضرر دون مبرر واضح، وهو ما قد يأتي بنتائج عكسية على طموحاتها الدولية.
مواقف متباينة وتصعيد محتمل
يأتي هذا التصعيد بينما يستعد شي وترمب لأول لقاء مباشر بينهما منذ ست سنوات في كوريا الجنوبية. وفي محاولة لتهدئة التوترات، يجتمع المفاوضون هذا الأسبوع، لكن من غير المرجح أن تتخلى الصين عن الإطار القانوني الذي بنته على مدار سنوات لترسيخ سيطرتها على هذه الموارد الحيوية، بغض النظر عن أي تسوية مؤقتة.
من جانبه، حاول وو شينبو، مدير مركز الدراسات الأمريكية بجامعة فودان، التقليل من أثر القيود، معتبرًا أنها “ورقة ضغط” لضمان عدم انضمام حلفاء أمريكا لمعاقبة الصين، وأن الدول ذات العلاقات الجيدة مع بكين لن تتأثر. لكن الممثل التجاري الأمريكي جيمسون غرير حذر من أن القيود تطال العالم بأسره وقد تخنق قطاعات تمتد من الذكاء الاصطناعي إلى السيارات والأجهزة المنزلية.
مخاطر العزلة الاقتصادية
المفارقة أن الاستراتيجية الصينية تبدو وكأنها تستنسخ النهج الذي انتقدته طويلًا، والمبني على استخدام ضوابط التصدير والعقوبات كأدوات سياسية، وهو النهج الذي اتبعته واشنطن. لكن التحدي الأكبر أمام شي هو أن هذه التحركات قد تدفع الحكومات والشركات لتسريع جهودها لتنويع مصادرها بعيدًا عن الصين، ليس فقط في المعادن الحيوية بل في قطاعات أخرى.
وتحذر أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة اقتصاديي آسيا والمحيط الهادئ في “ناتيكسيس”، من أن “الخسارة النهائية، إذا حدث ذلك، ستكون فادحة جدًا بالنسبة للصين”. في المقابل، يرى سكوت كينيدي، المستشار في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أنه إذا استمرت واشنطن وبكين في هذا النهج، فقد يدفعان بقية العالم لبناء نظام دولي جديد لا يعتمد عليهما.









