فن

فيلم فيها ايه يعني: خلطة النجاح الجماهيري في مواجهة أزمة هوية فنية

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

في معادلة السينما المصرية الحالية، يبدو أن فيلم “فيها ايه يعني؟” قد وجد الخلطة السحرية للنجاح الجماهيري، لكنه في الوقت ذاته يطرح سؤالاً جوهرياً حول هويته الفنية. فالعمل، بفكرته وقصته وإيقاعه، يبدو أقرب إلى قالب المسلسلات الدرامية، وربما كان كذلك بالفعل قبل أن يقرر صُنّاعه تحويله إلى فيلم سينمائي، مما جعله يعاني من اضطراب في هويته يظهر بوضوح للمشاهد المتأمل.

رغم زمن عرضه الذي يتجاوز الساعتين، تبدو بعض الأحداث غير مكتملة أو مشبعة بما يكفي، بينما تتسارع أحداث أخرى بشكل مبالغ فيه، وكأننا أمام حلقات مسلسل تم اختصارها قسراً لتناسب الشاشة الكبيرة. هذا التفاوت في الإيقاع يترك المُشاهد في حيرة، لكنه لا يسلبه متعة المشاهدة بالكامل.

صفقة جماهيرية رابحة

بغض النظر عن القالب الفني، يقدم “فيها ايه يعني؟” وجبة مسلية ترضي أذواق الجمهور العريض. فهو يجمع بين كوميديا جيدة وقصة رومانسية ناعمة، مع حضور مبهج لمصطفى غريب، وأداء متمكن لماجد الكدواني، وظهور لطيف لأسماء جلال. تكتمل الخلطة بأغنيتين جديدتين لأحمد سعد وحميد الشاعري، واستدعاء ذكي لنوستالجيا التسعينيات التي تداعب مشاعر الأجيال الجديدة.

يُحسب للمخرج الجديد عمر رشدي صالح إخراجه الهادئ والواثق، الذي يخلو من الاستعراض البصري المفرط وحركات الكاميرا العصبية. هذا الانسجام الواضح بين فريق العمل يخلق مشاهد تلقائية ظريفة، ويجعل من الفيلم صفقة لا يمكن لجمهور اليوم رفضها، حتى لو اضطر إلى غض الطرف عن بعض الثغرات المنطقية أو الأداء الذي بدا جامداً أحياناً للبطلة غادة عادل.

جرأة على ماذا؟

يحمل عنوان الفيلم “فيها ايه يعني؟” دلالة على التحدي والجرأة، لكن الفعل الذي يُفترض أنه يثير الاستياء ليس صادماً بالقدر الكافي. فالقصة تدور حول صلاح (ماجد الكدواني)، الرجل الذي تجاوز سن التقاعد ويرغب في الزواج من حبيبته القديمة ليلى (غادة عادل)، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تعلق ابنته ندا (أسماء جلال) به بشكل مرضي، لدرجة أنها تخطط لاصطحابه معها في رحلة عمل طويلة إلى المكسيك.

تتركنا الحبكة أمام أسئلة غير منطقية، فطبيعة عمل الابنة وزوجها علاء (مصطفى غريب) الغامضة، وقبولهما التخلي عن حياتهما في مصر لسنوات دون تردد، يضعف من واقعية الصراع الدرامي. الأزمة الوحيدة تكمن في رغبة صلاح في استعادة حياته الخاصة والزواج من حبيبته، متخلياً عن دوره كظل لابنته.

برطمان الأمنيات المستهلك

لجأ السيناريو إلى فكرة “برطمان الأمنيات” التي تم استهلاكها في العديد من الأعمال الفنية، وأشهرها الفيلم العالمي The Bucket List. يبدو هذا العنصر دخيلاً على القصة، ومع تكرار مشاهد تحقيق الأمنيات، من الذهاب إلى الديسكو والاسكندرية، يتمدد زمن الفيلم بلا داعٍ، ويتحول إيقاعه إلى ما يشبه حلقات الـ”سيت كوم” الطويلة.

هناك أيضاً تركيز غريب على الاحتفاء بالأكل غير الصحي، وهو خط درامي شهواني يتناقض مع الطابع الرومانسي الحالم لقصة صلاح وليلى. هذه التفاصيل الصغيرة تشتت الانتباه عن المحور الرئيسي للقصة وتزيد من الشعور بترهل الإيقاع، خاصة في النصف الثاني من الفيلم.

صراع داخلي لم ينضج درامياً

رغم مشاركة أربعة كتاب في السيناريو، فإن العيب الأبرز يكمن في الإيقاع الدرامي وغياب مشكلة حقيقية تدفع الأحداث. الصراع هنا داخلي بالأساس، حيث يفترض أن يتخلص صلاح من تردده وندا من تسلطها، لكن هذا التحول النفسي لا يظهر على الشاشة بشكل مؤثر، بل يظل عابراً ونظرياً.

ما يعوض هذا القصور هو خفة دم الممثلين الطبيعية، وجودة الحوار، وعناصر الجذب السمعية والبصرية، من أغاني أحمد سعد وحميد الشاعري، والموسيقى التصويرية الناعمة لخالد حماد. في النهاية، يظل “فيها ايه يعني؟” فيلماً عاطفياً خفيفاً، يشبه وجبة “جانك فوود” لذيذة وكثيفة السعرات الحرارية، لكنها تفتقر إلى المكونات الصحية اللازمة لعمل فني متكامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *