عرب وعالم

غزة تحت إدارة تكنوقراطية ورقابة دولية: تساؤلات حول السيادة ومستقبل القطاع

لجنة تكنوقراطية دولية تدير غزة: هل هي حل أم تعميق للتبعية؟

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

يشهد قطاع غزة تحولاً غير مسبوق مع ترسيخ آلية جديدة لإدارة شؤونه اليومية، حيث تتولى لجنة فلسطينية، لم تنبثق عن صناديق الاقتراع، مسؤولية قيادة حياة مليوني وثلاثمائة ألف نسمة من سكان القطاع. هذه اللجنة، التي اختارها وسطاء إقليميون وأقرها مجلس الأمن الدولي، ستعمل تحت وصاية دولية، في خطوة تفصل، للمرة الأولى، بين إدارة غزة وتمثيلها السياسي الفلسطيني التقليدي.

لجنة تكنوقراطية لغزة المنهكة

تأتي “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” (NCAG) كحكومة مؤقتة تضم 15 تكنوقراطياً فلسطينياً، يرأسها علي شعث، المسؤول السابق في السلطة الوطنية الفلسطينية. تتمثل مهمتها الرسمية في إدارة الشؤون المدنية، توفير الخدمات الأساسية، وبدء عمليات إعادة الإعمار في القطاع الذي دمرته حرب استمرت لأكثر من عامين.

لا تتضمن هذه اللجنة وزراء حزبيين أو حصصاً رسمية لحركتي فتح أو حماس. ويهدف هذا التصميم، الذي تدعمه واشنطن وتؤيده مصر وقطر وتركيا، إلى تقديم هيكل “محايد” للعالم، يركز على الإدارة ويبتعد عن الانقسامات السياسية التي شلت فلسطين لعقود.

لكن هذه الخطوة تكشف عن توتر عميق، فاللجنة الوطنية لإدارة غزة نشأت نتيجة اتفاق بين النخب – متمثلة في ترامب والوسطاء الإقليميين والفصائل الفلسطينية – وليست نتاج قرار مباشر من سكان غزة. وما يُقدم على أنه “تكنوقراطية” يواجه خطر أن يُنظر إليه، على أرض الواقع، كحكومة معينة من الخارج، وتخضع لشروط المصالح الأمنية وأجندات الجهات التي تتحكم في أموال إعادة الإعمار.

دور مجلس السلام ونفوذ ترامب

لا يكمن مفتاح هذا المخطط الجديد فقط في هوية من يحكم غزة، بل في من يشرف على هؤلاء الحكام. هذا الدور سيتولاه “مجلس السلام” (Board of Peace)، وهو هيئة دولية صدر تفويضها بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، ويرأسها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب شخصياً.

وفقاً لوثائق الاتفاق، يتمتع المجلس بصلاحية نقض قرارات اللجنة التكنوقراطية في قضايا الأمن، الاستثمارات الكبرى، إدارة الحدود، والتنسيق مع إسرائيل. هذا يعني أن الإدارة الفلسطينية ستكون قادرة على إدارة المدارس والمستشفيات والضرائب، لكن القرارات الاستراتيجية – من تراخيص الموانئ إلى امتيازات الطاقة – ستخضع لوصاية هيئة مختلطة تضم قادة أجانب تختارهم واشنطن.

وقد أوضح ترامب أن المجلس سيكون “الأعظم والأكثر هيبة على الإطلاق”، وسيعمل بالتعاون مع مصر وتركيا وقطر لإبرام اتفاق نزع سلاح حماس بالكامل، وهو شرط أساسي للانتقال إلى المرحلة النهائية من خطة السلام. النتيجة السياسية واضحة: الرئيس الأمريكي يضع نفسه في صلب مستقبل غزة، بهيكل يركز سلطة غير مسبوقة على إقليم ليس ملكاً له ولا يصوت في انتخاباته.

بين الوصاية الدولية والسيادة الفلسطينية

ظاهرياً، تسعى اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى أن تكون أداة لتوحيد الفصائل الفلسطينية حول مشروع مشترك. وقد أيدت كل من السلطة الفلسطينية وحركة حماس إنشاءها، ودافع شعث نفسه عن إطار “بيت واحد، نظام واحد” يندمج ضمن المؤسسات الفلسطينية القائمة.

لكن البنية الحقيقية تشير إلى اتجاه آخر. فمجلس السلام يستجيب لعواصم أجنبية، والوجود العسكري الإسرائيلي لن يختفي بين عشية وضحاها، وسيعتمد اقتصاد القطاع على قرارات تتخذ خارج حدوده. والأخطر من ذلك، وفقاً لخبراء استشارتهم الأمم المتحدة، هو أن الجمع بين الوصاية الدولية، والسيطرة الإسرائيلية على المعابر، وغياب الانتخابات في غزة، قد يؤدي إلى ترسيخ “سيادة منخفضة الكثافة” للفلسطينيين، حيث تخفي مظاهر الحكم الذاتي فقداناً فعلياً للسلطة.

يُعد هذا الوضع مدمراً عند مقارنته بسيناريوهات ما بعد الحروب الأخرى. ففي البوسنة والهرسك أو كوسوفو، اقترن الوجود الدولي بهياكل سياسية اعترفت، على الأقل، بالتمثيل الوطني للمجتمعات المتأثرة. أما في غزة، فقد كانت الأولوية فصل الإدارة الفنية عن التمثيل السياسي، تاركة هذا الأخير لمستقبل غير مؤكد.

كيف تشكلت الحكومة الجديدة؟

لم تُرتجل اللجنة الوطنية لإدارة غزة بين عشية وضحاها. تعود أصولها إلى خطة ترامب المكونة من 20 نقطة لغزة، والتي قدمت في سبتمبر 2025، وتضمنت إدارة “انتقالية، تكنوقراطية، وغير سياسية” كشرط لوقف إطلاق النار النهائي.

بعد أشهر من الاتصالات في القاهرة والدوحة وأنقرة، أعد الوسطاء العرب قائمة بأربعين تكنوقراطياً فلسطينياً. ومن هذه القائمة، التي راجعتها السلطة الفلسطينية وحماس وحتى إسرائيل، تم اختيار الأسماء الخمسة عشر التي ستشكل اللجنة. يتميز أعضاؤها بكونهم مدراء ذوي خبرة في مجالات الصحة والبنية التحتية والمالية والإدارة المحلية، وقد تلقى العديد منهم تعليمهم في جامعات أوروبية وأمريكية.

التشخيص الرسمي واضح: غزة بحاجة إلى مدراء، لا سياسيين. لكن تجارب عمليات الانتقال الأخرى تشير إلى أن الشرعية لا تُورث بالسيرة الذاتية. فإذا شعر السكان بأن الحكومة الجديدة تستجيب لواشنطن والجهات المانحة الخليجية أكثر من استجابتها لاحتياجات مخيم النصيرات للاجئين أو الأحياء المدمرة في مدينة غزة، فإن خطر الرفض سيكون مرتفعاً. وفي إقليم مشبع بالأسلحة والإحباط، نادراً ما يُعبر عن هذا الرفض عبر صناديق الاقتراع فقط.

إعادة إعمار بمليارات الدولارات وتوزيع العقود

بالتوازي مع الهندسة المؤسسية، تلوح في الأفق تجارة ضخمة. تقدر الأمم المتحدة وعدة حكومات أن إعادة إعمار القطاع سيتطلب ما لا يقل عن 70 مليار دولار، وهو رقم يضاهي الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدول مثل كرواتيا أو ليتوانيا.

على أرض الواقع، غزة مدفونة حرفياً تحت أكثر من 60 مليون طن من الركام، مع تضرر أو تدمير ما يصل إلى 80% من النسيج العمراني بعد عامين من القصف والقتال. وتقدر الأمم المتحدة أن إزالة الأنقاض وحدها قد تستغرق ما بين خمس وسبع سنوات وتتطلب أكثر من مليار دولار إضافي.

في هذا السياق، يتحول مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى حكام لسوق عقود إعادة إعمار بمليارات الدولارات: طرق، موانئ، شبكات كهرباء، محطات تحلية، اتصالات… شركات من الولايات المتحدة وأوروبا والخليج وآسيا تتحرك بالفعل لتأمين مواقعها. الخطر واضح: أن تسترشد منطق إعادة الإعمار بفرص الأعمال أكثر من احتياجات سكان يعانون من الصدمات والفقر وما زالوا يخضعون لقيود الحركة.

أوروبا وإسبانيا: بين الدعم والحذر

رحبت بروكسل بالانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، مشددة على أهمية اللجنة الفلسطينية الجديدة في دعم وقف إطلاق النار وتحسين وصول المساعدات الإنسانية. وأكدت المفوضية الأوروبية أن الهدف لا يزال تحقيق سلام دائم وأفق لدولة فلسطينية قابلة للحياة، لكنها تجنبت التعليق على مدى السلطة الفعلية لمجلس السلام.

من جانبها، تماشىت إسبانيا مع هذه الرسالة، ووصفت إنشاء اللجنة الوطنية لإدارة غزة بأنه “خطوة في الاتجاه الصحيح” نحو إعادة الإعمار والوحدة الفلسطينية، مع إصرارها على ضرورة احترام القانون الدولي ومحاسبة المسؤولين عن الدمار الذي لحق بالقطاع.

لكن المعضلة الأوروبية عميقة. فالاتحاد الأوروبي يقدم تاريخياً أكثر من 40% من المساعدات الدولية للفلسطينيين، ومن المرجح أن يكون الممول المدني الرئيسي لإعادة الإعمار. فإذا اندمج بشكل كامل في مخطط مجلس السلام دون المطالبة بضوابط ديمقراطية وضمانات للسيادة الفلسطينية، فإنه يخاطر بأن يصبح ممولاً بلا صوت، ويضفي الشرعية على هيكل يمسك فيه الآخرون بزمام النفوذ السياسي. وإذا ما ابتعد كثيراً، فقد يفقد القدرة على التأثير في عملية ستحدد مستقبل جواره الجنوبي.

مقالات ذات صلة