عجز الموازنة الأمريكية يتراجع مدفوعًا بإيرادات جمركية قياسية

في مشهد اقتصادي مركب، أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية تراجعًا طفيفًا في عجز الموازنة الأمريكية للعام المالي 2025، مدفوعًا بإيرادات غير مسبوقة من الرسوم الجمركية. هذا التراجع يأتي في وقت لا تزال فيه وتيرة الاقتراض الحكومي عند مستويات تاريخية، مما يطرح أسئلة حول التوازن المالي للاقتصاد الأكبر في العالم.
وفقًا للبيانات الرسمية، بلغ العجز في السنة المالية المنتهية 1.78 تريليون دولار، بانخفاض نسبته 2% عن العام السابق الذي سجل 1.82 تريليون دولار. وتتوافق هذه الأرقام بشكل كبير مع التقديرات التي أعلنها “مكتب الميزانية في الكونغرس”، مما يعكس صورة دقيقة للوضع المالي الحالي.
حصيلة جمركية في مواجهة التحديات القانونية
كان المحرك الرئيسي لهذا التحسن الطفيف هو تحقيق صافي إيرادات بلغ 195 مليار دولار من الرسوم الجمركية، وهو رقم قياسي يعود بشكل مباشر للسياسات التجارية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. ورغم تفاؤل وزير الخزانة سكوت بيسنت بإمكانية وصول هذه الإيرادات إلى 500 مليار دولار سنويًا، إلا أن هذا المصدر للدخل يواجه حالة من عدم اليقين، حيث لا تزال الأسس القانونية لجزء كبير من هذه الرسوم قيد المراجعة أمام المحكمة العليا.
تأثير التشريع الضريبي
على الجانب الآخر من المعادلة، كشفت البيانات عن التأثير السلبي للتشريع الضريبي الجديد الذي وقعه ترمب في يوليو. فقد شهدت إيرادات ضرائب الشركات انخفاضًا حادًا بنسبة 41% في سبتمبر لتصل إلى 65 مليار دولار، وهو ما يعكس التخفيضات الضريبية التي أقرها القانون. هذا التناقض بين زيادة الإيرادات من التجارة وخفضها من الضرائب يبرز التحديات التي تواجه السياسة المالية الأمريكية.
معضلة الدين والناتج المحلي الإجمالي
أشار مسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن العجز يمثل الآن حوالي 5.9% من الناتج المحلي الإجمالي، انخفاضًا من 6.3% في العام السابق. ويسعى الوزير بيسنت إلى خفض هذه النسبة إلى ما دون 4% بحلول نهاية الولاية الثانية لترمب، مستشهدًا بنسبة 3% كمعيار دولي للانضباط المالي، وهي النسبة المعتمدة في منطقة اليورو. إلا أن تحقيق هذا الهدف يبدو طموحًا في ظل ارتفاع الإنفاق الفيدرالي.
فقد ارتفع إجمالي الإنفاق إلى 7 تريليونات دولار، بزيادة 4% عن العام السابق. ويحذر العديد من الاقتصاديين من أن القانون الضريبي الجديد سيؤدي إلى تآكل نمو الإيرادات على المدى الطويل، مما يفاقم مسار الدين الفيدرالي المرتفع بالفعل، والذي قدر “مركز السياسات الضريبية” أنه سيزيد بمقدار 4.2 تريليون دولار بحلول 2034.
محركات الإنفاق الرئيسية
تظل النفقات على فوائد الدين العام والضمان الاجتماعي المحركين الأساسيين للعجز المتنامي. حيث بلغت مخصصات “إدارة الضمان الاجتماعي” 1.6 تريليون دولار بزيادة 8%، وارتفع الإنفاق الصحي 10%، مدفوعًا ببرامج الرعاية الصحية. والأخطر من ذلك، وصل الإنفاق على فوائد الدين العام وحده إلى مستوى قياسي بلغ 1.22 تريليون دولار، بزيادة 7%، مما يعني أن الدين أصبح يغذي نفسه بشكل متسارع.
وفي تحليل أعمق، يعود جزء من تراجع العجز هذا العام إلى تغيير محاسبي في سياسة القروض الطلابية الفيدرالية، مما أدى إلى انخفاض نفقات وزارة التعليم بمقدار 233 مليار دولار. هذا العامل المؤقت قد يخفي حقيقة أن التحديات الهيكلية التي تواجه اقتصاد الولايات المتحدة لا تزال قائمة وتتطلب حلولًا أكثر استدامة لتحقيق الانضباط المالي المنشود.











